



في يوم من الأيام كنت أتناول طعام العشاء مع صديقاتي في أحد المطاعم حين أتتنا على استحياء امرأة وقورة لتعتذر عن ما إذا كانت نظرات زوجها اتجاهنا أزعجتنا وبدأت بشرح معاناته مع الزهايمر وعدم قدرته على السيطرة على نفسه وبالرغم من تأكيدنا لها بأننا لم نلاحظ حتى أي شيء يضايقنا إلا أنها أصرت على الاعتذار والتبرير وذلك بسبب تعرضه لهجمة عنيفة أبكته وأسالت دموعه مسبقا في أحد المطاعم من امرأة ظنت به سوءا من نظراته وتلفته نحوهم.
كم أثّر في هذا الموقف وجعلني أفكر لماذا نفكر كثيرا في نظرة الناس نحونا؟ ولماذا تشغلنا ردة فعلهم تجاه تصرفاتنا وقراراتنا؟
للأسف نحن نعاني في المجتمعات العربية من عقدة (ماذا سيقول الناس عني إذا فعلت كذا وكذا أو اخترت كذا وكذا). قبل عدة سنوات مثلا كان مجرد التفكير في الطلاق أو فسخ عقد قران جريمة عظمى لا تحاول المرأة حتى البوح بها كي لا يظن الناس بها الظنون، وبالرغم من أننا تخلصنا من هذه العقدة وغيرها الكثير من العقد إلا أننا لازلنا نعاني من (متلازمة نظرة المجتمع)، نقوم بزجر أطفالنا في الأماكن العامة خوفا من نظرة الناس، ونراقب الكثير من تصرفاتنا العفوية أيضا خوفا من نظرتهم.
ترك مراقبة تصرفات الناس وأحوالهم وإصدار الأحكام عليهم هي قيم يجب غرسها في النفوس منذ الصغر. كم آلمني طلب ابنتي ذات الاثنى عشر عاما جوال (بالرغم من عدم معارضتي اقتناءه واقتناعها بعدم احتياجها له) بسبب نظرة البنات لها في المدرسة و معايرتهم لها لعدم امتلاكها واحد. ماذا لو كانت الفتيات الصغيرات يعلمن أنه (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) وأن كل إنسان عليه أن ينظر لنفسه قبل أن يصدر أحكامه على غيره؟!
جلست مع فتاتي جلسة مطولة لأعلّمها أن قيمتها تكمن بثقتها في نفسها وتقديرها لذاتها واقتناعها بمبادئها وقرارتها. أنت من يحكم من أنت لا المجتمع ولا الناس من حولك يملكون الحق في التحكم في تصرفاتك أو يزرعون الشك في يقينك …
كن فخورًا بنفسك وأرِ العالم من أنت !
