#تجارب_كورية: العلاقات في الغربة ٣ (بشروا ولا تنفروا)

في كل تجربة جديدة يخوضها الإنسان؛ في الغالب ينتابه الخوف وقد يعتريه الشك في خياراته وقد يصل لمرحلة تأنيب نفسه على هذا الخيار الذي هدد استقرار العائلة وقضّ عليها مضجعها ويتضاعف هذا الشعور عندما ينتقل الشخص إلى بلد جديد بعيد عن وطنه ، تفصله القارات ويرهقه بعد المسافات وفرق الأوقات لذلك تجد كل جالية في أي بلد بعيد عن وطنها تتكاتف ويبحث كل فرد فيها عن مجتمع يستطيع اللجوء إليه وقت الشدة ويشاركه وقت الفرح ويأخذ بيده لتخطي عقبات الغربة لاسيما في البداية.

يقوم الجاليات من أبناء الأوطان بعمل مجموعات في برامج التواصل الاجتماعي ويحرصون على تكوين الصداقات وكل ما يرغب فيه الشخص في بداية غربته؛ كلمة لطيفة تطمئنه، ومساعدة بسيطة تهدئ من روعه وتعينه على لم شتات نفسه. وبالنسبة لي؛ أكبر مساعدة ؛ تلك التي يمسك فيها الناس ألسنتهم ويكفوا عن ترويع الآخرين من كل شيء جديد في البلد. البرد قارس وشديد ويجب اقتناء الكثير من الملابس الشتوية الان لأنه عند بدء الشتاء كل شيء يختفي، كل الأطعمة في هذا البلد فيها دهن الخنزير ، كل الأغذية الأساسية باهظة الثمن والأفضل شحنها من أرض الوطن، وغيرها من التحذيرات والتهاويل التي قد لا تعني شيء لقائلها ولكنها تعني مزيد من الارتباك والشك لغيره.

صدق الحبيب المصطفى حين قال: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا)

لطالما حرصت على إبراز الجانب الإيجابي لكل شخص يقصدني باحثا عن نصيحة لطريق ما أو عن بصيص أمل وهو يشعر أنه يغرق في قاع الحياة.

عندما قدّمت على اختبارات الزمالة البريطانية سددت أذني عن كل مرجف أخبرني كم هو صعب وكم عدد الذي حاولوا ولم يجتازوا و و و .. وبعد حصولي عليها ولله الحمد حرصت على تسهيلها لكل قاصد وسائل ومعظمهم اجتازوها بفضل من الله.

وعند إصابتي بالسرطان؛ لا أنسى اتصالين متفرقين تلقيتها من صديقات غاليات أبعدتنا المسافات عن بعضنا البعض ولكن القلوب تحمل الكثير من الحب، أخبرنني فيها أن أمهاتهم قد أصيبوا مسبقا وتعدوا المحنة وحدثتني واحدة من الأمهات عدة مرات وأشعرتني أن ما أمر فيه هو نعمة لا تضاهيها نعمة. لا تعرفون مدى أثر هذه الكلمات علي وكم ساعدتني لتخطي الأيام الصعبة بعد الله سبحانه وتعالى.

وبعد انتهاء علاجي ؛ قصدني العديد من الناس (أعرفهم ولا أعرفهم) الذين أصيبوا أو أصيب لهم أحد أفراد العائلة ، فكان كل همي أن أكون بلسما لهم لا علقم.

فكم كلمة لا تعرف أنت أثرها لكنها تعني لغيرك الكثير

(بشروا ولا تنفروا)

أضف تعليق