قبل بضع سنوات؛ حل علينا ضيف ثقيل بلا دعوة وقلب كياننا رأسًا على عقب، أغلق علينا الأبواب وحرمنا من الأحباب وجعل السلامة في البعد فكسر القلوب وشقّ النفوس. فلا حياة بلا أصحاب ولا روح بلا أهل وأحباب.
وبالرغم من ثقل هذا الضيف إلا أنه علّمنا (في ذلك الوقت) عدة دروس أعتقد والله أعلم أننا نسيناها أو تناسيناها فعدنا لسابق عهدنا (وأكثر) وكأن الدرس كان حلمًا وتلك الأيام كانت سرابا.
عندما حلّ (كورونا) قبيل رمضان وألزمنا الإنعزال في بيوتنا وانحرمنا من زيارة الأهل ولمة الأصدقاء؛ كان أقصى أحلامنا وأعظم رغباتنا هي زيارة لصديق وتنّعم بوصل حبيب، حلّ علينا عيدين بلا طعم ولا لون ولولا الأمل بلقاء قريب لانفطرت القلوب وذهبت العقول. فتعلّمنا في تلك الأيام ؛ أنه لا شيء يضاهي “البساطة”، بساطة المظهر وبساطة الضيافة وحتى بساطة الاحتفالات. تجلّت نفوسنا البسيطة وظهرت على حقيقتها لتملأ حياتنا سعادة ورضى. عادت بنا لتلك الأيام القديمة التي كل ما يفعله صاحب المنزل لضيوفه أن يفتح بيته وقلبه لهم “مع حسن ضيافتهم بالطبع” لا أن يتكلّف في التقديمات والديكورات واللبس وأصناف الطعام.
اليوم من أرض الغربة كل ما أتمناه هو لمة فطور بسيطة أو جَمعة سحور عفوية مع الأهل والأصدقاء ولكن يثير حفيظتي ما أراه عند تقليب قصص “السناب” من التكلف في الجمعات والمبالغة في الديكورات والضيافة وحتى المظهر فصارت دعوة الضيوف هما لا فرحا وعبئا قد لا يستطيع الجميع تحمّل تكاليفه أو القيام به.
ياليتنا نتذكر تلك الدروس العظيمة من “كورونا” وياليتنا نتذكر قول الله تعالى:
(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
