
بعض الأمور لا نستطيع تفسيرها ولا يمكن لنا فهمها ..
على سبيل المثال؛ أتعجّب كثيرا من أصحاب القناعات والعقائد كيف يتشبثون بها (وإن كانت خاطئة).
كما أتعجّب أكثر من المنسلخون الذين يتخلّون عن قناعاتهم وعقائدهم؛ ثقافاتهم وهوياتهم بمجرد الخروج من محيطهم.
أما القسم الأول ؛ أعتقد أني فهمت (قليلا) كيف يتشبثون. فمن تجربتي مع الغربة عدة مرات وابتعادي عن كل من أحببته وما اعتدت عليه؛ وجدت أني أثشبّث بذلك الماضي الذي عشته وتلك الطفلة التي بداخلي. وجدت أني أحب كل مافي مجتمعي (بحلوه ومره) و أتمسّك به كثيرا وإن كان لا يستهويني وأنا في وطني. وجدت أن العقل يُهيّأ المحيط الذي حولي ليجعله شبيه للمحيط الذي أحببته (أو اعتدت عليه). ففي طيلة شهر رمضان استحال كل ما يحيطني لأجواء رمضانية في عقلي الباطن فأرى الجميع صيام وأشتم رائحة المطاعم (سمبوسة ولقيمات) والآن باقتراب العيد؛ أحسست بهدوء الأجواء الممزوج بعجلة الناس وحشودهم لقضاء آخر احتياجتهم للعيد. أرى كل ذلك وأفتقد الناس والوجوه التي أحب.
في الغربة ؛ تعلمت أنه من الصعب أن يتخلى شخص عن جذوره ويمحي كل ذكرياته المتراكمة عبر السنين كما تعلمت أن في داخل كل شخص منا بذرة من وطنه تنمو وتتكاثر بمجرد الابتعاد عنه، تأخذه لماضيه وتعيد له ذكرياته.
أما القسم المنسلخ ؛ لم أستطع أن أجد تفسيرا لانسلاخه ولازال العجب من هذه الفئة يتملكني وخصوصا تلك التي تنسلخ وهي داخل محيطها ومجتمعها.
كل عام وأنتم بخير ولا حرمكم الله من بذور أوطانكم لتملأ حياتكم معنى وبهجة.
