تجارب_كورية ؛ مستشفى سيئول الجامعي (الجزء الأول) 

ما إن وطأت قدمي أرض سيئول حتى انشغلت كثيرا بالتأقلم مع الأطفال وترتيب الأغراض وتجهيزات المدارس عن أخذ موعد لمتابعة علاجي الشهري، ولم أنتبه إلا وقد انقضى شهرين على آخر علاج تلقيته و بدأ القلق يتسلل إليّ وأصبح حصولي على موعد يشغل تفكيري.

للأسف كان أقرب موعد في المستشفى التي أوصاني عليها أحد الأطباء بعد شهر من تاريخ الحجز. و في محاولة يائسة تم مراسلة (مستشفى جامعة سيئول الوطنية) عن طريق البريد الالكتروني مع إرسال كافة التقارير والمستندات.

جاء الرد باتصال في أقل من ٤٠ دقيقة بالرغم من قرب انتهاء الدوام وطلبت مني المنسقة شرح الحالة والعلاج المطلوب وما إن علمت أن وقته تعدّى الشهرين حتى وعدتني باتصال آخر في اليوم التالي بأقرب موعد متاح ليتم تقديم العلاج.

وبالفعل اتصلت بي في اليوم التالي (يوم جمعة) وأعطتني أول موعد بعد انتهاء إجازة نهاية الاسبوع (يوم الاثنين).

في صباح يوم الاثنين قامت بالتواصل معي وأنا في طريقي للتأكد من حضوري وطلبت مني إعطاءها سائق التاكسي لتصف له المكان بدقة.

هنا كانت صدمتي كبيرة ، المستشفى حكومي وتابع لمؤسسة تعليمية وبالعادة يكون التواصل في هذه المؤسسات ضعيف جدا (أو يكاد أن يكون معدومًا) سواء في الرد بالمقام الأول أو بإعطاء المواعيد نظرا للضغط الشديد الذي تواجهه

حتى وإن كانت الخدمات المقدمة لنا مدفوعة.

وصلنا المستشفى؛ المستشفى كبير جدا والأقسام الرئيسية عبارة عن مباني منفصلة كل مبنى يحتوي على عياداته وغرف عملياته وتنويمه وحتى الطوارىء الخاص به (مستشفى الأطفال، مستشفى السرطان….).

وبالرغم من الازدحام الشديد على المكان وكثرة المراجعين إلا أن التنظيم شديد والاجراءات سريعة للغاية (ماشاءالله)

يكون استقبال المراجعين الأجانب في قسم مخصص (العيادات العالمية) في المبنى الرئيسي وبه موظفين يتحدثون لغات مختلفة.

في نفس يوم موعدي مرّ ولدي ذو السبع سنوات بوعكة صحية فقررت أخذه معي لـ (محاولة) إدخاله بدون موعد.

وصلنا العيادات العالمية وشرحت وضع ولدي ولم يكن هناك مجال له في هذه العيادات فقامت في أقل من ٥ دقائق وبأقل المعلومات المطلوبة بفتح ملف وطباعة بطاقة ووجّهته إلى طوارئ مستشفى الأطفال والذي وجد فيه جلّ الرعاية والاهتمام والتشخيص السريع ولله الحمد.

بالنسبة لي كان هناك عدة أمور يجب أن أقوم بها منها التحاليل

عند وصولي لقسم سحب العينات كان أمامي لا يقل عن ٢٥ شخص بالانتظار واعتقدت أن الموضوع سيحتاج لأكثر من ساعة لكن انتهيت في أقل من ٢٠ دقيقة نظرا لكثرة نقاط السحب وسرعتهم.

كان من المفترض أن تظهر نتيجة التحليل بعد يوم لكن نظرا لحالتي (الحساسة) تواصل معهم الطبيب بنفسه لتظهر في ساعتين.

بعد هذه التجربة تساءلت؛

ما الذي يجعل مستشفى بهذا الحجم والازدحام عملي لهذا الحد؟

أولا: عدد الموظفين والمنسقين المهول

لطالما آمنت بأهمية وجود منسق خاص لكل قسم (وهم لديهم عدد غير قليل لكل قسم).

الحكومات تدفع مبالغ طائلة لتأهيل أطباء على مستوى عالي لكن للأسف لا تأخذ منهم مردود عالي (منه المادي عند استقبال الحالات المدفوعة) بسبب عدم وجود من ينظم سير العمل والجداول فيصبح التنظيم اجتهاد شخصي من الطبيب وهذا هدر للوقت والطاقة والمادة كذلك.

ثانيا: وجود أنظمة تقنية سريعة ومنظمة والمطلوب من الطبيب فقط التركيز على المريض لا أن يقوم بحشو الكثير الملفات والكلام.

فما إن دخلت عن الطبيب الا وقد وجدت تقريري (المُرسَل بالبريد الالكتروني) تم وضعه في ملفي الالكتروني من قبل المنسقة وليس مطلوب منه سوى مراجعته بدقة.

ثالثا: نظام جودة متكامل (وغالبا هي اجراءات مكتوبة) مطّلعين عليها (بل ومُدرّبين على تنفيذها) كل الموظفين.

اجراءات وُضعت بدقة من قِبل أقسام متخصصة لا اجتهادات شخصية وبالطبع يتم متابعتها بشكل يومي (وليس فقط عند الرغبة بالاعتماد)

كلمة أخيرة أود أن أضيفها : وهي أن المؤشرات وُضعت (للتحسين) لا (للتدليس) ، و لقياس الأداء (الحقيقي) لا لإيهام المسئولين أننا (في الطريق الصحيح).

عدم الفهم الحقيقي للمؤشرات، ووجود أشخاص ديدنهم الكذب وطبعهم التدليس يؤثر سلبيا بشكل كبير ليس فقط على أداء المؤسسات ولكن أيضا على أداء الموظفين الأكفّاء الذين يصابوا بالإحباط.

أخيرًا؛ متابعة المؤشرات ووضع حلول سريعة لجعلها في النطاق (الأخضر) بمثابة الابرة المسكنة التي تُهدّئ الألم و لكن لا تقضي على الأسباب الجذرية للمشكلة.

أضف تعليق