#تجارب_كورية ؛ مستشفى سيئول الجامعي (الجزء الثاني) 

بعد كتابتي لتجربتي الأولى مع مستشفى سيئول الجامعي ومع استمرار مراجعاتي فيها وازدياد انبهاري فيها من ناحية التنظيم وسرعة الإنجاز بالرغم من أعداد المراجعين المهولة، أصابني عارض متأخر من عوارض عملية إزالة الغدد الليمفاوية المصابة بالسرطان قبل ثلاث سنوات وهو انتفاخ اليد اليمنى ؛ فقمت بعمل موعد مع طبيب الأورام المسئول عن متابعة حالتي وزرته.

بدأ بمناقشة هذا العارض وشرحه ثم قال: أن هذه الحالة ليس لها علاج وأن واجبنا الآن هو المحافظة على وضعها الحالي حتى لا تزداد سوءا وذلك بارتداء مشد ضيق يغطي اليد كاملة مع الكف طول الوقت وكل يوم . وبالرغم من علمي بهذا الأمر إلا أنه أصابني بالخيبة لأن بريق الأمل بحل جذري كان يلوح في الأفق أمامي. حينها قلت له بصوت يعلوه الحزن: ألا يوجد حل للمشكلة؟ توقف عن كتابة ملاحظاته في الحاسوب والتفت نحوي وقال: هنا في كوريا يوجد حل جراحي وهو ربط الأوعية الليمفاوية بالأوردة الدموية حتى تفرّغ فيها السوائل وتمنعها من التّجمع والانتفاخ ولكن نسبة نجاحها إلى الآن ٢٠-٣٠٪؜ ولا يوجد عليها دراسات علمية كافية وأفضل من يقوم بها أطباء في الفرع الثاني للمستشفى (المتواجد في احدى قرى سيئول) وسأقوم بتحويلك إليه كما سأقوم بتحويلك لطبيب إعادة التأهيل هنا في المركز لبدء العلاج الغير جراحي في أقرب وقت ممكن.

إن انبهاري بسرعة إتمامهم للإجراءات كبيرة جدا وبالرغم من الإضرابات الجسيمة التي تعاني منها المستشفيات لديهم في هذه الفترة، إلا أنهم يبذلون أقصى جهودهم حتى لا يتعطل المرضى والمراجعين ويتأثر سيرعلاجهم. قامت المساعدة في القسم الدولي بعمل الموعد المطلوب مع قسم إعادة التأهيل في نفس الأسبوع لمراعاة حالتي الطارئة وأعطتني خطاب تحويل للفرع الآخر لاستشارة الطبيب هناك عن الحل الجراحي.

إن التحويل لمستشفى آخر يتطلب عدة خطوات؛ أولها الخطاب الذي قاموا بإعطائي إياه، ثم إعطائي لقرص مدمج به نسخة من جميع الأشعات والصور التي تم عملها في المركز مع نسخة من ملفي كاملا، وأخيرا إعطاء خبر للمستشفى الثاني للتواصل معي وعمل موعد مناسب. ولأن المستشفى الآخر ماهو إلا فرع من الأول اكتفوا بإعطائي الخطاب والقرص المدمج ثم قاموا بأخذ موافقتي الخطية على السماح للطبيب في المستشفى الآخر بالدخول على ملفي الإلكتروني وكل هذا تم في أقل من نصف. ساعة غادرت بعدها المستشفى وماهي إلا ساعة فقط واتصلت علي المنسقة من الفرع الآخر لعمل موعد وقامت بإرسال الموقع وجميع المعلومات برسالة نصية. لم أضطر لأخذ الخطاب للمركز الثاني والدخول للإدارات و ترجيهم للنظر في حالتي وإعطائي موعد ولم أبذل أي جهد فالمُبتلى في صحته لديه مايشغل باله ويكدر صفو خاطره مايكفيه وأقل مساعدة تُقدّم له تكون بمثابة يد العون التي تطبطب عليه وتُطّيب نفسه.

قابلت طبيب إعادة التأهيل وشرح لي الحالة من وجهة نظره كمختص بدون جراحة ثم وجّهني للممرضة المسئولة عن أخذ مقاسات اليد لتفصيل المشد وبعدها لقسم لتسجيل المقاسات بجهاز إلكتروني وحفظها للمقارنة في المواعيد القادمة وكل هذا في أقل من ساعة ثم تم إيصال المشد لبيتي في أقل من يوم.

في يوم موعدي مع الجراح؛ توجهت للـ(القرية) التي تبعد ساعتين عن مقر سكني وكل ما أتصوره عبارة عن قرية بسيطة ذات مباني قليلة وبها فرع من طابق أو طابقين من مستشفى سيئول الجامعي ليخدمها. تفاجأت عند دخولي لها فإذا هي مدينة تضاهي أجمل مدن العالم وأرقاها، ذات مباني شاهقة وطبيعة خلابة وحركة مستمرة فيوجد بها محطات للمترو والباصات كما يوجد المقاهي والأسواق وحتى الفنادق. يتوسط المدينة نهر جاري، على جانبيه ؛ تم بناء ممشى ومسارين واحد للجري وآخر للدراجات وكما هو الحال في كل أنحاء كوريا تم توزيع الأجهزة الرياضية على امتداده. يربط النهر جميع أحياء الـ(قرية) على جانبيه وامتداده ويمكن لأي شخص النزول للنهر أو الطلوع منه بالدرج الموزع على طول النهر كما يمكنه الذهاب من جانب لآخر بالمشي على ممرات صخرية تم وضعها في وسط النهر على مسافات معينة.

وصلت للمستشفى؛ فإذا بي أرى عدة مباني كبيرة وجميلة أحدث بكثير من المركز الرئيسي بسيئول واستقبلتني المنسقة بالقسم الدولي وطبعا لي بطاقة برقم ملفي في مركزهم ثم أخذت القرص المدمج ووقفت على أحد الأجهزة الموزعة في الممرات الرئيسية ووضعته لأخذ نسخة من الصور والأشعات ثم أعطتني القرص وأخذتني للطبيب.

إن سرعة الإنجاز والترتيب ليست فقط بسبب الأشخاص ولا الإمكانيات بل بسبب وجود نظام واضح للجميع وأدوار موّزعة بعناية فكل شخص في المنظمة يقوم بدوره على أكمل وجه. كما أن تفرغ المختص لدوره الحقيقي، يفتح له المجال للإبداع والريادة فتوفر حل جراحي لِعَرض صحي لم يتواجد له حل لمدة طويلة، لم يكن ممكنا دون تفرغ الطبيب لدوره في علاج المرضى.

وضوح الأدوار ووجود أنظمة مكتوبة (ومقروءة) هي أول خطوة لنجاح المنظمات.

أضف تعليق