
كتب الشيخ علي الطنطاوي يرحمه الله في مذكراته (الجزء الرابع)؛
وكان يرد مكّةً في موسم الحجّ المحملُ الشامي والمحمل المصري، ومع كل منهما قوّة من الجند تحميه ومقدار من المال يُغْرُون به الأعراب الذين يُخشى عدوانهم على موكب الحجّ. كان ذلك قبل أن يوفق اللّٰه عبد العزيز إلى جعل طريق الحَجّ آمناً، لا يخاف المسافر فيه ولو كان وحده. ولقد كتبت في الرسالة لمّا جئنا مكّة أول مرّة من طريق البَرّ سنة ١٣٥٣ هـ (وقد مرّ خبر ذلك) أن الصحراء في عهد عبد العزيز آمَنُ من شارع الشانزليزيه في باريس. وأزيد الآن: آمن من الشارع الخامس في نيويورك. وهذا حق واقع لا مبالغة أديب.
والمحمل هو الموكب الذي يضم الحجاج الذاهبين لتأدية فريضة الحج بعد تجمعهم من بقاع الأرض في مصر والشام.
اليوم ونحن نحتفل بتأسيس هذه الدولة العظيمة على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله منذ ثلاثة قرون مرورا بالدولة السعودية الثانية إلى بناء الدولة الحديثة على يد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، لابد أن نُذّكر أنفسنا وأبناءنا بحجم التغيير الذي أحدثته هذه الدولة العظمى. وصف الطنطاوي رحمه الله رحلة الحج في طفولته بدقة لا يسعني نقل كل ماكتبه في هذا المقال الصغير ولكني نسخت تعليقه بعد ذكر تجاربه مع الحج قبل وبعد حكم الملك عبدالعزيز وهذا الأمن المستتب ولله الحمد في أنحاء الدولة وليس حصرا للحجاج ولا يوجد باغٍ ولا عاثٍ إلا ويضرب بيد من حديد كائنًا من كان بفضل الله ثم بفضل حكامنا آل سعود حفظهم الله ورعاهم.
وإنني على علم بل يقين بأنه لا حاجة لنا بالتذكير لأن حب هذا الوطن متأصل في النفوس ولله الحمد ومتغلغل فيها كما أن ترابط الشعب واعتزازه يظهر جليا في كل المحافل. استمعت الشهر الماضي لحلقة موهبة في بودكاست أبجورة وكم أثّر في كلام الأستاذ بدر المجردي مدير المسابقات في برنامج موهبة عندما قال؛ أن الطلاب السعوديين (على عكس غيرهم من الطلبة من جميع أنحاء العالم) عندما يُسألون عن سبب مشاركتهم في المسابقة وطموحاتهم ؛ فإن أجوبتهم جميعهم تتمحور حول تمثيل وطنهم العظيم وهاجسهم الوحيد هو رفع العلم الأخضر ويرون أن الفوز باسم السعودية هو فخر حياتهم كلها بينما غيرهم أجوبتهم تتمحور حول مستقبلهم الشخصي وإنجازاتهم.
إن هذا الحب الكبير والفخر العظيم ليس وليد اللحظة ولم يتواجد بلا سبب ، فكل سعودي وكل حامل للجواز الأخضر بشعاره شعار القوة والعزة، يتملكه الإحساس بالأمان على أرض الوطن وخارجها ولديه يقين كبير بأنه لن يترك وحيدا إن أصابته النوائب وحفت به المخاطر سواء كان في داخل الدولة أوفي أقصى بقاع الأرض وهذا ما حدث مع ابنة اختي ذات التسعة عشر ربيعا وهي وحيدة في أبعد قارات العالم حين داهمها الألم ودخلت على اثره غرفة العمليات بشكل طارئ لاستئصال الزائدة الدودية فقامت الملحقية مشكورة بالتواصل معها وارسال ممثلة النادي السعودي للاطمئنان عليها مع باقة ورد جميلة تحمل في طياتها حب كل سعودي أصيل. كما أن الفتيات السعوديات (اليافعات) وأهاليهن الذين بالكاد تعرفت عليهم لم يكتفوا بمساندتها والسؤال عنها وزيارتها اليومية ولكنهم (وبالرغم من انشغالهم الشديد في الدراسة وأمور الحياة) رافقوها ودعموها كأهل لا كأصدقاء، احتووها كعائلة أنستها مرارة الاغتراب ووحشته وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأصالة والمرؤة في هذا الشعب العظيم بجميع فئاته العمرية ويعكس مدى تكاتفه لاسيما في الغربة.
دمت ياوطني فخرًا وعزًا وذخرا💚🇸🇦


