جيلنا بين قصور التعليم وفرص البيت… ماذا نفعل اليوم؟
جيلنا بين قصور التعليم وفرص البيت… ماذا نفعل اليوم؟
كتبت في المرة السابقة عن قصور المناهج الدراسية في تنمية مهارات الأطفال وعجزها عن مواكبة التطور السريع في التقنية الرقمية.
كما تناقشنا أنا وعدد من الأمهات حول الموضوع وعن ما نرغب في إضافته أو تعديله في المناهج على حسابي السناب.
التغيير لا يتم بيوم ولا ليلة، ولا يكون بالسرعة التي نتمناها. إذن هل نقف على مدرجات المتفرجين ولا نحرك ساكنا ؟ أم نحاول تعويض القصور وبذل الجهد والوقت لتنمية أبناءنا وقدراتهم والأهم من ذلك عقولهم وتوازنهم النفسي؟
قمت بطرح عدة أسئلة على حسابي سناب شات لجمع أكبر عدد من الآراء والتجارب ومشاركتها مع الجميع:
و أود التنويه بأننا جميعا أمهات لازلنا نتعلم ونخطئ، ولا يوجد أحد منا منزه من الخطأ، ولا يوجد صواب مطلق أو خطأ مطلق. كما أن مشاركتنا للتجارب لا يعني أننا نجحنا في تنفيذها ولكن مجرد طرحها ومناقشتها قد يساعدنا كثيراً في تربية أبنائنا وتعليمهم.
الأسئلة كانت:
- كيف تنمي مهارات طفلك في البيت؟ وكيف تعززي القيم؟
- ماهي الأنشطة الرياضية التي يقوم بها الأطفال؟ وماهي تكاليفها؟
- ماهي أكثر مهارة ترغبين بزرعها في طفلك؟ التفكير والنقد، الثقة بالنفس، مهارات التواصل، الانضباط والتحمل؟
- ماهي طريقتك في زرع حب الدين وتعزيز العبادات؟ هل يوجد عادة أو موقف أو أسلوب معين؟ مثل القصص قبل النوم، الحوار، وغيرها..
- كيف تعلمي طفلك عن العلاقات الاجتماعية والاحترام؟ ماهي طرق زرع الأخلاق بدون تلقين ومحاضرات؟
- وأخيرا؛ هل يوجد لديكِ وقت أسبوعي مخصص للأنشطة مع أطفالك؟
تفاوتت الإجابات والآراء والطرق والأفكار، وسأقوم بتلخيصها قدر المستطاع وأضيف عليها تجاربي الخاصة وتجارب المقربين من حولي.
“`
مؤتمر تنمية القدرات البشرية.. رسالة أمل قادمة
ولكن قبل ذلك؛ أرغب في تسليط الضوء على حدث كبير ومهم قام الشهر الماضي في نسخته الثانية والذي أفتخر بأن أختي كانت واحدة من الجنود المخفيين الذين عملوا بكل جهد وواصلوا الليل بالنهار لإنجاحه، وباشروا أعمالهم فيه ثاني أيام عيد الفطر بعد اجازة لا تتجاوز الأربعة أيام.
مؤتمر تنمية القدرات البشرية..
خلال هذا الحدث الكبير؛ تسلطت الأضواء على المناهج والمهارات، كما تم توقيع العديد من الاتفاقات والمبادرات مع جهات تعليمية عريقة عجزت عن جمعها من كثرتها وتنوعها ولكني سأذكر جزء بسيط جدا منها:
- تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم السعودية ووزارة التعليم الكورية بشأن التعاون في التعليم.
- وقعّت كل من مؤسسة التدريب التقني وكليات التميز وأرامكو وغيرها من الجهات عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات بهدف التعاون في تطوير القدرات البشرية.
- أطلقت كلية لندن للأعمال مكتبهم بالرياض.
- تم توقيع اتفاقية لافتتاح جامعة نيو هيڤن وغيرها الكثير جدا من الاتفاقيات والمذكرات التي يعجز قلمي عن سردها كلها.
- كما دارت العديد من الجلسات الحوارية لقصص النجاح المبهرة لأبناء هذا الوطن العظيم ولا ننسى أن منصة التعليم الرائدة عالمياً (كلاسيرا)؛ سعودية المنشأ على أيدي أبناء الوطن محمد المدني ومحمد عشماوي.
الجدير بالذكر؛ أننا اليوم نحتفل رسميًا بافتتاح جامعة وولونغونغ الأسترالية بالرياض والتي تم توقيع اتفاقية التعاون معها في النسخة الأولى من المؤتمر.
الخلاصة من هذه المقدمة هو رغبتي في إيصال رسالة مفادها؛ أن التطوير قادم بإذن الله والتعليم سيستعيد حيويته ويعلو نجمه بحول الله وقوته.
ولكن؛ حتى تلك اللحظة التي قد لا يدركها أبناءنا الذين يرتادون المدارس اليوم. هل ننتظر ونتفرج أم نبادر ونحاول؟ فأبناء اليوم هم قادة هذا التحول والتطور وهم اللِبنة الأساسية له.
رحلة بناء القدرات والمهارات: كيف نبدأ؟
نحن بحاجة لتنمية قدراتهم ومهاراتهم والاهتمام بسلوكياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية. كيف؟
للحديث عن الموضوع بوضوح وبساطة؛ قسّمته إلى عدة محاور:
أولا: الجانب المعرفي والعلمي
من أهم الأمور التي يجب معرفتها ومناقشتها مع أبناءنا؛ أن المناهج الدراسية لم تعد كافية وأن عليهم الاجتهاد خارج نطاق المدرسة للوصول إلى آخر التطورات العلمية.
نحن في زمن يمكننا فيه الحصول على التعليم في أي مكان وزمان وكل ما نحتاجه هو جهاز وإنترنت فقط.
هذا الوصول قد يكون بالاشتراك في دورات عن بعد أو متابعة حسابات مثرية أو حتى مشاهدة اليوتيوب. اليوتيوب وحده مدرسة لا تضاهيها مدرسة.
المهم هو الاعتراف بأهمية الاجتهاد ثم بذل الوقت والجهد للإبحار في المعارف والعلوم.
لتنمية الجانب العلمي والمعرفي لدى أبناءنا؛ نحن بحاجة لتنمية انفتاحهم على العالم والرغبة في الاستزادة بالعلم وحب القراءة وأشدد على حب القراءة.
ثانياً: الجانب العقلي والذكاء
الذكاء هبة من الله ورزق ويتفاوت الأطفال كثيرًا في درجات ذكائهم حتى في العائلة الواحدة، ولكن الاهتمام بالقدرات العقلية للطفل أمر مهم لا يمكن الإغفال عنه خصوصاً مع تواجد الأجهزة والبرامج وأغاني الأطفال التي تسلب عقول الأطفال وتشتت أذهانهم.
برأيي إن أعظم خدمة تقدمها الأم لأطفالها؛ هي حرمانهم من الأجهزة الذكية خصوصا في السن المبكر (ثلاث سنوات وأقل) والحرص على اقتناء ألعاب الذكاء والتركيب والألغاز وجميعها متوفرة لكل الأعمار.
من المهم كذلك تحدي ذكاءه وعدم التعامل معه كـ (طفل لا يفهم).
ثالثا: الجانب السلوكي والقيم والعادات
يطول الحديث في هذا الجانب كثيراً خصوصاً مع اختلاف عادات المجتمع وقيمه ونظرته بين الأجيال السابقة والحالية ولكن يوجد سلوكيات وقيم لا يمكن التنازل عنها نهائياً ولا المساس بها وجميعها تكتسب بالقدوة والنقاشات.
من الأمثلة على هذه القيم: الصدق، الأمانة، الحفاظ على الممتلكات العامة، التعاون، والالتزام وغيرها الكثير.
من الأمور التي لفتتني كثيرا في الآونة الأخيرة هو عدم تنّبهنا كأهالي إلى أن الغياب الغير مبرر من المدرسة والاستئذانات المتكررة ماهي إلا مقبرة لقيمة الالتزام ومعول هدم لها.
من البرامج الرائعة التي تساعد على التذكير بالقيم وتعطي أفكار عملية لتنميتها؛ برنامج مُعين للدكتور جاسم المطوع.
رابعًا: الجانب الجسدي
يعاني الكثير من الأطفال من السمنة والأمراض المزمنة بسبب قلة الحركة والجلوس المتواصل على الأجهزة. حث الأطفال على الحركة وتوفير أجهزة رياضية في المنزل أو إشراكهم في أنشطة رياضية مختلفة من أهم الأمور التي يجب التنبه لها دوما وبذل الجهد والمال والوقت لدفعهم للقيام بها.
بالإضافة لذلك؛ نعاني جميعا من الوجبات السريعة التي أدمنها صغارنا ونحن بحاجة دائمة لتنبيه بعضنا البعض واقتراح وصفات بديلة للحفاظ على صحة أبناءنا.
الجوانب العميقة الأخرى
أما الجوانب الثلاثة الأخيرة؛ فهي جوانب شديدة العمق وبحاجة لتفصيل شديد وواضح لذلك سأقوم بكتابة مقال لكل جانب منفصل في المستقبل ولكن حاليا أرغب بتلخيصها للتوضيح والفائدة.
الجانب الذي يمس المهارات الحياتية
المهارات عبارة عن خمسة أنواع يمكن تصنيفها في قسمين:
- التصنيف الأول يقسم المهارات إلى مجموعتين: المهارات الناعمة والمهارات الصعبة.
- التصنيف الثاني يقسم المهارات إلى ثلاث مجموعات: قابلة للتحويل، شخصية، ومبنية على المعرفة.
من أمثلة المهارات الناعمة: الصبر، التواصل، التعاطف، الانفتاح الثقافي، تعدد المهام، تحديد الأهداف.
ومن أمثلة المهارات الصعبة(وهي مهارات موضوعية وقابلة للقياس ويتم اكتسابها بالدراسة أو الخبرة): التحدث بلغة ثانية، البرمجة، بناء دائرة كهربائية، الطبخ، الكتابة السريعة على لوحة المفاتيح، تصميم الرسوم المتحركة بالكمبيوتر، التحليل المتعدد الاختيارات.
أما المجموعات الثلاثة في التصنيف الثاني:
- من أمثلة المهارات القابلة للتحويل (وهي المهارات التي تساعد عند تغيير المسار المهني والتي ترفع قيمة الموظف في سوق العمل): مهارات التواصل، مهارات التنظيم، التفكير التحليلي، التفكير النقدي، الحوسبة، الكتابة.
- المهارات الشخصية والتي تتداخل مع القيم الإسلامية مثل: الصبر، النزاهة، العطف، الحزم، التحمل، الاستقلالية.
- أما المجموعة الأخيرة والتي تعكس التخصص الدراسي فهي المهارات المبنية على المعرفة مثل: الطب، الهندسة، البرمجة، كتابة الإعلانات، تحسين محركات البحث وغيرها من التخصصات.
إن هذا الجانب بحاجة لتفصيل طويل وعميق لكل قسم من أقسامه.
أهم الكتب الموصى بها
كتاب StrengthsFinder: تدور فكرته الأساسية حول أن النجاح لا يكون بمحاولة إصلاح نقاط الضعف بقدر ما يكون بالتركيز على نقاط القوة الطبيعية التي يمتلكها الفرد وتعزيزها.
الكتاب يعتمد على اختبار نفسي دقيق، يُمكن الشخص من اكتشاف أقوى خمس سمات مميزة لديه، ويوجه النصائح حول كيفية بناء حياة مهنية وشخصية ناجحة مبنية على هذه السمات.
تعليم أبنائنا التعرف على مواطن قوتهم منذ الصغر، بدلًا من إغراقهم في محاولات مستمرة لإصلاح ما لا يجيدونه، قد يكون من أهم الهدايا التي نقدمها لهم للمستقبل.
أخيرًا: الجانب الروحي والنفسي والاجتماعي
ثانيها وثالثها؛ جانبين شديدي التداخل ولا يمكن الفصل بينهما نهائيا كما يزعم أخصائي علم الاجتماع والنفس، ألا وهما الجانب الروحي والنفسي والجانب الاجتماعي والعلاقات. جميعها قام الدين بتهدينها لنا وتنظيمها وهي بحاجة لمواضيع تفصيلية سأقوم بتدوينها بإذن الله.
أبناؤنا مشروع بناء طويل الأمد، يبدأ بخطوات صغيرة… لكن نتائجه عظيمة بإذن الله.