إذا لم تختر ظروفك، فهل تختار من تكون؟

صورة المقال

إذا لم تختر ظروفك، فهل تختار من تكون؟

قبل مدة، وضعت أخت عزيزة صورة على حسابها في سناب شات لعامِليَن فوق أحد الجدران، يقومان بأعمال البناء منذ الصباح وحتى وقت تصويرها لهم في العصر.

وأبدت تعجبها الشديد من اختيارات الإنسان لطبيعة عمله، ومصدر دخله، وأسلوب حياته.

أجبتها في نفس اللحظة: الإنسان ليس بيده الاختيار، لكن بمقدرته الاجتهاد وبذل الأسباب.
وربنا سبحانه وتعالى هو من يختار له حياته، ويُسخّر له الظروف والأشخاص.

إجابتي لم تكن تنظيرية، بل نابعة من تجربة شخصية عميقة، بعدما تغيّرت حياتي تمامًا وفقًا للظروف القسرية التي وُضعت فيها، ولم تسر في الطريق الذي كنت “أجتهد” فيه.

ولو نظرنا حولنا، لوجدنا أمثلة كثيرة تجسد نفس التجربة.

فالكثير من العمالة حولنا، قطعوا شوطًا كبيرًا في العلم، ويحملون شهادات جامعية، وقد تكون عليا.

لكن ظروف بلدانهم الاقتصادية أو السياسية أجبرتهم على العمل في مهن لا تشبههم، ولا تعكس اجتهادهم المعرفي.

وكم رأينا من أشخاص حولنا اجتهدوا، وحفروا الصخور في سبيل الحصول على أمرٍ ما، لكن المرض، أو الفقر، أو الحروب، أو حتى المجتمع، غيّر طريقهم إلى منحى آخر.

لكن، هل يعني هذا أن نستسلم؟
هل نتوقف عن السعي والاجتهاد؟
هل نُلقي باللوم على المجتمع والظروف والبيئة والأقدار، وكل ما يمكننا لومه؟

بالطبع لا.

الإنسان، مع الاجتهاد وبذل الأسباب من الدعاء، والرجاء، والصبر، والأمل، قد يرزقه الله اللحظة التي ينتظرها.

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، لكن المثال الذي لا أملّ من ذكره، هو فيلم رائع مقتبس عن قصة حقيقية: فيلم الملك ريتشارد – لويل سميث.

الفيلم فيه تجسيد مدهش لقيمة الاجتهاد، وكيف يمكن له أن يُحوّل حياة الإنسان تمامًا، إذا اقترن بالالتزام، والهدف الواضح، والطموح، والأمل، وبالطبع، إرادة الله وتوفيقه قبل كل شيء.

الفيلم فرصة جميلة لفتح الكثير من النقاشات المثمرة مع الأطفال حول هذه القيم وتعزيزها لديهم.

يقول عالم الاجتماع علي الوردي:

“تبين الآن علميًا أن كلاً من الفاشل والناجح ليس مسؤولًا عن فشله أو نجاحه إلا في نطاق محدود، فهناك المواهب والقدرات الذكائية والنفسية لها دورها، كما أن الظروف والمصادفات التي يمرّ بها الإنسان في حياته لها دورها أيضًا.”

ويقول في نفس المقالة:

“شخصية المجرم هي كشخصية أي إنسان آخر، نتاج التفاعل بين العوامل الموروثة فيه، وعوامل البيئة التي عاش فيها، ولو كان أي واحد منا لديه نفس النوازع النفسية الموجودة في المجرم، وعاش في نفس ظروفه، لصار مجرمًا مثله أو قريبًا منه.”

نشرت مقتطفات من هذا المقال على حسابي في سناب شات، وتلقيت تعليقين فتحا بابًا واسعًا للتفكير:

الأول: هل الإنسان يستوفي رزقه كاملًا حتى وإن لم يجتهد؟
وكان جوابي: نعم، فالله يرزق كل إنسان ما كتب له.
لكن من تمام التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب، كما أُمِرَت مريم:
“وهزي إليكِ بجذع النخلة”، رغم أن الله قادر أن يُساقط الرطب دون هز.

الثاني: اعتراض على قول الوردي بأن الظروف تنتج المجرم، معتبرًا أن هذا ينافي مبدأ الحساب والعقاب، مستدلًا بقوله تعالى: “وهديناه النجدين”.

وقد فتحت لي هذه الملاحظة بعدًا مهمًا:
الإنسان، وإن كان مُسيَّرًا في كثير من جوانب حياته، إلا أنه مخيَّر ومحاسب في تهذيب نفسه وتربيتها.

سُئل ابن المقفع: من أدبك؟

قال: نفسي..!

قيل أيؤدب الإنسان نفسه؟!

قال: إذا رأيت في غيري حسنًا أتيته، وإذا رأيت قُبحًا اجتنبته، وبهذا أدبت نفسي.

وهنا أجدني أعود إلى نص قرأته في الأدب الصغير لابن المقفع، لعلّه من أوضح ما كُتب في طرق تأديب النفس، أذكره لنفسي قبلكم:

كيف نؤدب النفس؟ (من كتاب الأدب الصغير لابن المقفع)

أولًا: محاسبة النفس ومجادلتها ومعاقبتها ومكافأتها

  • يحاسب العاقل نفسه كل يوم، ماذا فعل؟ كيف قضى وقته؟ وماذا كسب من أمر دينه ودنياه؟
  • يخاصمها حين تبرّر أخطاءها، ويقاضيها كقاضٍ يفرّق بين المنجي والمهلك.
  • يكافئها بالتحفيز عند الحسنات، ويعاقبها بالتحذير والتقويم عند الخطأ.

ثانيًا: تكرار ذكر الموت يوميًا

لتبقى النفس يقِظة، لا تغفل عن أولوياتها.

ثالثًا: كتابة عيوب النفس والعمل على إصلاحها

  • يكتب الإنسان كل خلل يراه في نفسه: أخلاقي، ديني، سلوكي.
  • ثم يقسم إصلاحه على أيام وأشهر وسنوات.
  • ويمسح ما أصلحه، ويفرح به. وإن بقي عيب لم يُصلح، تأسّف عليه.

رابعًا: تسجيل فضائل الناس والسعي لتقليدها

كما يحصي العيوب، يحصي المحاسن في الآخرين ليقتدي بها ويقترب منها خطوة بخطوة.

خامسًا: حسن اختيار الصحبة

أن لا يُصاحب إلا من يفيده في دينه أو أدبه، أو من يعينه على إصلاح نفسه.

سادسًا: قبول النقد من أهل الرأي والعقل

فالعاقل يطلب الملاحظات، ويُصلح بها نفسه قبل أن تُحاسب.

سابعًا: تخصيص أربع ساعات لا يُشغل عنها يوميًا

  • ساعة للدعاء
  • ساعة لمحاسبة النفس
  • ساعة مع الأصدقاء الصالحين
  • وساعة للترفيه، لأنها تُعين النفس على الاستمرار في الثلاث الأولى

في عالم لا نختار فيه ظروفنا، يبقى تهذيب النفس هو الخيار الأوضح والأقوى الذي نملكه.
فهل اخترت من تكون؟ وهل تحاسب نفسك كما تستحق؟
ابدأ بخطوة. واحدة فقط.
وأخبرني لاحقًا: ما الذي تغير؟