البوصلة القرآنية في التربية: من الإنسان إلى الإيمان
(مقتطفات من بودكاست د.نايف بن نهار)

إن تربية الأطفال، وتنمية قدراتهم، وزرع القيم فيهم؛ مشروع إنساني لا ينتهي.
مشروع بناء لأهم لبنة في المجتمع، والأساس الذي يُرتكز عليه كل شيء.
كنت قد تحدثت سابقًا عن أهمية تعويض النقص في التعليم من داخل البيت من عدة جوانب، ومن بين أهم الجوانب: الجانب الأخلاقي.
هذا الأسبوع حالفني الحظ أن أستمع لحوار رشّحه لي الكثير من الناس، وكان بعنوان “البوصلة القرآنية في التربية” للدكتور نايف بن نهار.
في هذا الحوار، أكّد الدكتور نايف أن التعليم المدرسي قاصر عن ترسيخ أهم المهارات التي تقوم عليها حياة الإنسان: المهارات الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، والصلابة النفسية.
وشدّد على أهمية فهم النفس البشرية قبل محاولة علاجها وتربيتها، فالإنسان في القران لم يُذكر إلا على وجه الذم بصفات كثيرة منها:
هلوع، جزوع، منوع، عجول، قتور، قنوط، ظلوم، جهول، خصيم، فرح، فخور، مختال … إلى آخره من الصفات السلبية التي لا يوجد إنسان إلا وفيه صفة واحدة منها على الأقل، قد تكون ظاهرة وقد تكون مطمورة ولكنها تظهر بمجرد توفر البيئة المناسبة لتغذيتها.
(وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)
استثنى الله سبحانه وتعالى عددًا من الفئات من هذا الذم فقال:
(إِلَّا الْمُصَلِّينَ)، (إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا)
بالتالي، وظيفتنا كمربيين هي: تطهير النفس البشرية من هذه الصفات السلبية، ونقلها من نموذج الإنسان إلى نموذج الإيمان، ومن الضعف (النفسي والاجتماعي والإيماني) إلى القوة.
كيف؟
بتبني النموذج القرآني في التربية. نبدأ بأنفسنا ثم نغرسه في أبنائنا.
وفيما يلي بعض الصفات التي ذكرها د. نايف في حديثه:
١. الشكر
(إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
الله شكور: يغفر زلاتنا ويقدّر عباداتنا.
والعبد يكون شكورًا إذا تصرف في كل نعمة بما يرضي الله.
الشكر ليس كلمات، بل أفعال.
كأن يُوظّف الشخص منصبه لخدمة الناس لا للتسلط.
أو يسخّر الغني ماله ونفوذه لإسعاد غيره، لا لحبسه وتكديسه.
٢. التحذير من الاعتداء
(مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ)
الاعتداء لا يكون بالقول والجسد فقط.
منع الخير عن الناس والمجتمع وتعطيل المصالح (بشتى الطرق) ما هو إلا اعتداء وإثم.
فالإنسان يجب عليه أن يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.
ويجب علينا تعزيز هذا الفكر ونشره.
٣. التوكل
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
من لا يعلم، لا يتبع الظن، بل يسلّم الأمر لله.
٤. البحث عن الدليل
العقل الإسلامي لا يناقش ولا يحاور بدون أدلة
(قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
٥. التحرر من الذات والتحيزات الشخصية
(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)
٦. عدم اتباع الأغلبية
الإنسان بطبعه يستجيب للجماهير ويجري خلف الجماعات
(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)
٧. الالتزام ومنع الهوى
الإله هو كل ما يُتّبع، والمسلم لا يتّبع هواه ويستسلم لنفسه البشرية إنما يلتزم بالحدود والواجبات.
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)
٨. أدب الحوار
(وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
فإذا كان هناك طريقة حسنة وأخرى أحسن؛ جادل وحاور بالأحسن، لأنه كلما تلطفت بالقول كلما كان رأيك مقبولًا أكثر.
(وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
٩. التعامل مع الماضي
قال تعالى:
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
كما قال:
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
النظر للماضي بهذه الثنائية المتوازنة؛ أن لا نتحسر عليه ولكن نستفيد من تجاربه.
فالقرآن يخبرنا أننا غير مسئولين عن الماضي ولابد أن نتجاوز أخطاءنا، ولكن في نفس الوقت لابد لنا من أخذ العظة والعبرة منه.
١٠. التضحية
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
١١. العدل حتى مع الأعداء
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)
١٢. الوفاء بالعهد
(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)
١٣. حسن الظن وحفظ اللسان
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)
١٤. الاعتدال في الإنفاق
(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)
١٥. حسن الخلق عند الانفصال
(وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
وهذا على مستوى جميع العلاقات؛ يجب تفعيل الذاكرة الإيجابية وقت الانفصال ومحو المواقف السلبية، فالانفصال في الإسلام له ثقافة سواء كان في الزواج أو الشراكة أو حتى الصداقة.
والصفات القرآنية كثيرة جدًا.
إذن؛ لو اهتدينا بالقرآن في التربية، سينشأ لدينا:
طالب حر في عقله واختياراته، لا يخضع للناس ولا يأبه بزيف الجماهير.
طالب وفيّ بعهوده، عادل حتى مع أعدائه، طيب المعشر في الشراكة والانفصال، معتدل في إنفاقه، حافظ لأعراض الناس، يحترم الآخرين وأفكارهم ورغباتهم، ولا يُحاور ولا يُناقش إلا بدليل.
تخيلوا جيلًا بهذه العقلية؟!
هذه المقتطفات لخّصتها من حوار الدكتور نايف جزاه الله خير الجزاء.
لكن أرغب بإضافة نقطة مهمة:
طوال الحوار، كان الدكتور يشدد على أفضلية التربية على العلم، ويؤكد أنه لا ضير على الإنسان أن يكون ناقص علم، لكن الخطر أن يكون ناقص تربية.
وأنا أتفق معه من جهة، وأختلف من جهة أخرى.
أتفق في أن التربية هي الأساس، وأن العلم متوفر في هذا العصر لمن يبحث.
لكن أختلف معه في درجة أهمية العلم، لأن هناك مهارات معرفية وعلمية، إن لم تُكتسب في الطفولة، قد يستحيل تعويضها لاحقًا.
لهذا، من الضروري أن يبذل الأهل جهدهم في الجانبين معًا:
التربية والعلم.
وإن رجحت كفة، فلتكن كفة التربية.
طرحت هذا الموضوع على حسابي في سناب شات، ووصلتني ردود وتعليقات ثرية، شاركني فيها المتابعون بعض القيم التي يجب أن نربي أبناءنا عليها، أذكر منها:
١. قيمة حب الخير للجميع:
(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)
٢. قيمة التقبل:
تقبّل الأشخاص والاختلافات والأفكار والثقافات، بما لا يتعارض مع الثوابت الدينية.
٣. تنمية الرقابة الذاتية:
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ…)
٤. قيمة الصبر وترك العجلة:
(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
٥. ترك الفضول:
(مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)
٦. القناعة برزق الله، وعدم النظر إلى أرزاق الآخرين.
لكن فوق كل هذه القيم: القدوة.
القدوة هي أقوى أداة تربوية.
فلنربِّ أنفسنا… ليقتدي بنا أبناؤنا
ختامًا…
لسنا بحاجة لمناهج إضافية بقدر ما نحن بحاجة لمنهج نعيشه.
منهج رباني يعلّم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون.
كيف يتعاملون مع ذواتهم والناس، لا كيف يُجمّلون صورتهم أمام الآخرين.
حين نُربّي أبناءنا على البوصلة القرآنية، فنحن لا نمنحهم درعًا يحميهم من التيه فقط،
بل نمنحهم جذورًا تمتد للأصل، وأجنحة توازن بين الدنيا والآخرة.
