الدوام الجزئي ليس ترفًا… بل حل لأم تُربّي وأمة تُبنى
في الفترة الأخيرة، ظهرت صور ورسائل ساخرة عن “المرأة المستقلة”.
قد تبدو مضحكة، لكنها تحمل وجعًا حقيقيًا تعيشه كثير من النساء، خصوصًا الأمهات العاملات.
المرأة بطبيعتها معطاءة، قادرة على تقديم الكثير، لكنها تحتاج متنفسًا.
كما أن الله أعفاها من بعض التكاليف الدينية شهريًا، فمن باب أولى أن يُمنح لها أيضًا وقت دوري ترتاح فيه من ضغوط العمل والمنزل.
الأم العاملة تعيش صراعًا دائمًا بين مسؤولياتها كزوجة وأم، وبين مهامها كموظفة.
وخصوصًا من تربين على تقديس دور الأمومة، يشعرن بالتمزق والتقصير الدائم.
هذا الضغط جعل الكثير من النساء يعزفن عن الزواج أو يؤجلنه.
ولعل من أسباب ذلك انشغالهن في الدوامات الطويلة التي لا تترك مجالًا للتفكير في الارتباط أو تأسيس أسرة.
ورغم النجاحات التي تحققها المرأة في مجالات العمل والدراسة، يظل حلم الأمومة فطرة مغروسة لا يمكن تجاهلها. كثير من الفتيات لا يدركن هذه الحقيقة إلا بعد فوات الأوان، حين تفوت الفرص أو تتغير الأولويات.
ولهذا من الضروري أن تستمع الفتيات المقبلات على الحياة لنصائح النساء اللاتي سبقنهن في هذا الطريق، مثل تلك التي شاركتها امرأتان ناجحتان في عالم الأعمال والطب:
رابط فيديو لطبيبة تتحدث عن التوازن
تغريدة عن سيدة أعمال ناجحة
برأيي، لم يعد التفرغ التام للمنزل والأطفال خيارًا مثاليًا في ظل تفوق المرأة العلمي والعملي. ولكن في الوقت ذاته، لا يمكن تربية أطفال يتمتعون بصحة نفسية وأخلاقية عالية دون أم حاضرة ومتفرغة في فترات حرجة من طفولتهم.
أنا أم لأربعة أطفال، خضت معهم محطات مختلفة من التفرغ والعمل، تنقلت بينها بمحاولة مستمرة لأوازن بين قلبي وعقلي، بين أطفالي وعملي.
بدأت بالدوام الكامل، ثم اخترت التفرغ الكامل، ثم جربت الدوام الجزئي، وأخيرًا عدت للدوام الكامل بعد أن دخلت طفلتي الأخيرة المدرسة.
بكل صدق… لم أشعر بالطمأنينة في دوام كامل، ولا بالرضا التام في الجلوس في المنزل.
لكنني وجدت راحتي في الدوام الجزئي.
هو التوازن الحقيقي.
يحفظ للمرأة مهنيتها، ويمنحها وقتًا تنشئ فيه أبناءً أقوياء في أخلاقهم ونفوسهم.
اقترحت هذه الفكرة على وزير الصحة الأسبق د. توفيق الربيعة بعد إنجابي طفلي الثالث. تفاعل مع الطرح وأحاله للفريق المختص، لكن للأسف، ماتت الفكرة قبل أن تولد.
الدوام الجزئي – يومين إلى ثلاثة أيام في الأسبوع، أربع إلى ست ساعات في اليوم – ليس فقط حلًّا للأمهات، بل فرصة ذكية للمجتمع ليحتفظ بعطاء النساء دون أن يخسر جودة الجيل القادم.
كتبت كثيرًا عن هذه الفكرة على منصة إكس، وما زلت أتمناها واقعًا…
ليس لي فقط، بل لكل أم تحلم أن تكون حاضرة في بيتها ومنتجة في مجتمعها.
منشور 1 عن أهمية الدوام الجزئي
منشور 2 عن التوازن بين العمل والأمومة
حين شاركت اقتراحي حول الدوام الجزئي مع متابعيني، وصلتني رسائل متباينة.
بعضها أبدى الحماس، وبعضها حمل مخاوف حقيقية.
إحدى المتابعات عبّرت عن قلقها من أن تُهمَّش الموظفة التي تختار هذا النمط، وتحرم من الترقّي أو المهام القيادية.
وأنا أؤمن تمامًا أن مثل هذه التحديات يمكن معالجتها.
إذا وُضعت لائحة تنظيمية واضحة، تُقر هذا الخيار بعدالة، وتُطبّق على الجميع دون استثناء، فلن يُظلم أحد.
كما وصلني تعليق من أحد الزملاء أضاء جوانب مهمة في النقاش، واختصر مشاعر كثير من الآباء والأمهات اليوم.
كان تعليقًا صادقًا، يحمل تساؤلات محورية عن ترتيب الأولويات، طبيعة الأدوار، ومسار الحياة الحديثة:
والله الموضوع شائك ومتعب. أنا من وجهة نظري أن الله ما خلق شيء ووضع له تنظيم إلا وهو الصالح. للرجال العمل والكد، وللمرأة البيت والتربية، وهو ما لا يتعارض مع طموحها وتعليمها. بالعكس، التعليم بينعكس على الأولاد، والعمل بالمعقول علشان ضيم الدهر، لو لا سمح الله تطلّقت أو ترمّلت… في النهاية، سيدتنا خديجة كانت صاحبة مال وتجارة.
لكن اليوم، نحن عكسنا الآية. صار الأولوية للعمل، وبعدين البيت والأولاد، والكل يجري وما أحد سعيد… لا ويقولك دوام ليل وشفت من ١٢ الليل لثمان الصباح! طيب الله يقول: “وجعلنا الليل سباتًا، وجعلنا النهار معاشًا”. يعني فوق ما ضغطت على الأوادم، تبغى الحياة الأسرية تتفكك تمامًا؟!
توقفت أمام كلماته طويلًا، وقررت أن أقف عند كل محور منها، وأناقشه بصدق، وبناءً على ما رأيته في واقعي وواقع كثير من الأمهات من حولي:
هل تعمل المرأة أم تتفرغ؟
العمل مصدر مهم للخبرة، وللخروج من دائرة الضغط اليومي، خاصة لمن تعيش بعيدًا عن عائلتها أو مجتمعها الداعم.
لكنه أيضًا مسؤولية، ومنافس للوقت والطاقة.
السؤال الأهم ليس: هل تعمل؟
بل: متى تعمل؟ ومتى تتفرغ؟
متى تضع طموحها في المقدمة؟ ومتى تُرجّح كفة أبنائها؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع.
كل امرأة لها قصتها، وتوقيتها، وقدرها.
لكن هناك قاعدة ذهبية:
حين يأتي الطفل، يجب أن يكون هو الأولوية.
لأن أول ٨ سنوات من عمره، هي البوصلة التي تحدد اتجاهه النفسي والأخلاقي مدى الحياة.
لهذا يجب أن نعلّم الفتيات أن الأمومة ليست تفصيلة هامشية.
بل مسؤولية عظيمة، تحتاج كل القلب والوقت، وتُسأل عنها المرأة يوم الحساب.
وهنا يأتي دور المجتمع والمؤسسات:
أن يُتيحوا للمرأة التفرغ وقت الحاجة، دون تقليل من شأنها أو فرصها.
من حق كل أم أن تجد في بيئة عملها من يُقدّر دورها، ويمنحها المساحة حين تحتاج،
من غير أن يُسلب منها طموحها، أو تُقصى من الفرص التي تستحقها.
فمن الظلم أن تُحرم امرأة أنجبت باكرًا من الترقية أو التدريب، فقط لأن سنوات تفرغها لأطفالها جعلتها “تتجاوز العمر المطلوب”.
هي لم تكن غائبة… كانت تؤدي أعظم مهمة على الإطلاق.
ومن الظلم أيضًا أن تُعامل من أنجبت متأخرًا وكأن شيئًا لم يتغير،
تُطالَب بنفس المهام، ونفس الدوام، بنفس النسق الذي كانت عليه قبل أن تصبح أمًا.
الأمومة تغيّر كل شيء…
وتحتاج بالمقابل فهمًا يُشبهها في رقتها، وإنصافًا يُقدّر تضحياتها.
ليتنا نبني مؤسسات فيها قلب.
ثانيًا: الكل يركض… ولا أحد سعيد
وهذا أمر أوافق عليه تمامًا.
لم تعد المشكلة في عمل المرأة، بل في طبيعة الحياة نفسها.
الكل يركض، في كل مكان في العالم.
المقارنات، التقنية، تسارع الإيقاع، تضخم التوقعات…
كل هذا صنع حياة مرهقة، سريعة، لا ترحم.
ولذا لم نعد نجد سعادة حقيقية، ولا راحة داخلية.
حتى داخل البيوت، أصبحت اللقاءات قليلة، والمشاعر متوترة.
ثالثًا: الدوام الليلي من 12 ليلًا حتى 8 صباحًا
هذا تحديدًا مثال مؤلم على اختلال الأولويات.
مهنتنا – كأطباء أسنان – قائمة على التركيز والدقة والهدوء،
فكيف نؤديها في توقيت كهذا؟
ولا أتحدث عن الراحة الشخصية فقط،
بل عن سلامة المريض، وجودة الأداء، وأمانة المهنة.
قد يكون لهذا القرار تبرير عند أصحاب القرار،
لكن من الميدان: هو قرار غير منطقي، وغير صحي لأي طبيب أو مريض.
في الختام؛
نحن لا نطالب بتقليل الأعباء عن المرأة لأنها ضعيفة،
ولا نطلب لها استثناءً لأنها أقل قدرة،
بل لأن الأمومة مسؤولية فريدة، لا تشبه أي مهمة أخرى.
كل نقطة ناقشتها هنا تنطلق من واقع نعيشه:
واقع تتقاطع فيه أحلام المرأة مع واجباتها،
ويتزاحم فيه الطموح مع المسؤولية،
وتكاد تضيع فيه ملامح التوازن وسط ضجيج الحياة وتسارعها.
نحتاج نظامًا لا يُكبل الأمهات، بل يُنصفهن.
نحتاج بيئة عمل تعترف بأن المرأة لا تنفصل عن بيتها حين تدخل مكتبها،
ولا تنسلخ من طموحها حين تُمسك يد صغيرها.
الدوام الجزئي ليس حلًا مؤقتًا،
بل فكرة عادلة، تُمنح لمن تختارها، لا تُفرض على أحد،
تسمح للأم أن تكون كما أرادت:
حاضرة في حياة أطفالها، ومؤثرة في مجتمعها.
لعلنا نصل إلى يوم…
لا يُطلب من المرأة أن تختار بين قلبها وعقلها،
بل تُعطى الفرصة أن تُرضي كليهما.

رد واحد على “الدوام الجزئي ليس ترفًا… بل حل لأم تُربّي وأمة تُبنى”
[…] وقد كتبت عنه في مقالة سابقة: الدوام الجزئي ليس ترفًا… بل حل لأم تُربّي […]
إعجابإعجاب