سجن الإنسان… ليس المكان بل الفكرة
ومساحة الفرح دائمًا أوسع مما نظن
العيد يمرّ على الناس بوجوه كثيرة.
وجوه فرحة بالاجتماع،
وجوه تضحك من القلب،
ووجوه تضحك فقط لأجل من حولها.
في زحمة التهاني والسفر والعزائم،
تطلّ على قلبك لحظة صمت تسألك:
هل أنا بخير؟ هل عيدي مكتمل؟
الحياة لا تهدينا الظروف دائمًا كما نحب،
لكنها تمنحنا شيئًا أعظم: القدرة على أن نختار كيف نعيشها.
قد يمرّ العيد وأنت على سفر،
أو في عمل،
أو في غربة تشبه الصمت الطويل.
وقد يمرّ وأنت تفتقد شخصًا غاب،
أو تستقبل أيامك بقلق من مرضٍ أو ظرفٍ لا يُروى.
لكن دائمًا، في زاوية ما من اللحظة،
يوجد متسع لصنع الفرح – ولو صغيرًا.
فرح تصنعه بيدك،
بهديّة لأطفالك،
بكعكة من صنعك،
بزيارة مفاجئة،
أو حتى بدعوة صادقة تخرج من قلبك لمن تحب.
مرّت عليّ أعياد كثيرة لم تكن مثالية،
تسعة منها في الغربة،
وأخرى في وقت المرض،
وغيرها في عزّ جائحة جعلت البيوت متباعدة.
لكن في كل مرة، كنت أتعامل مع العيد كفرصة…
فرصة لأُشعر من حولي أن الحياة ما زالت جميلة
حتى لو لم تكن كما نريد.
ومع تكرار التجارب، بدأت أفهم شيئًا عميقًا:
أن الفرح لا يأتي دائمًا من الخارج،
ولا ينتظر اكتمال الظروف…
بل يُولد من قرار داخلي،
قرار بأننا لن نسمح للحزن أن يبتلع اللحظة،
ولا للغياب أن يغلق باب الحياة.
قد لا نتحكم في المرض، أو السفر، أو الفقد،
لكننا نملك دومًا كيف نُفسّر ما يحدث لنا،
وكيف نُعيد تشكيله من الداخل.
وهنا اكتشفت حقيقتي الخاصة:
سجن الإنسان هو عقله،
وقيوده هي طريقة تفكيره،
وليس أي شيء آخر.
قبل يومين، وصلني تعليق على هذا الموضوع عندما وضعته على حسابي في سناب شات، قالت فيه إحدى صديقات الغربة:
“والله دوبي جلست، وجا كلامك في وقتو…
ولا أنا كنت مشحونة، أبغى أتهاوش مع أحد لأني في نص نقل وعفش!”
ضحكت من القلب… لكن بين السطور،
كان هناك شعور نعرفه جميعًا:
أحيانًا، لحظة هدوء… أو كلمة حقيقية…
كفيلة بتغيير مزاجنا، ومحو تراكمات الأيام.
وهذا بالضبط جوهر الفكرة:
أننا لا نحتاج ظروفًا مثالية لنكون بخير،
بل نحتاج فقط مساحة داخلية صغيرة نعيد فيها توازننا.
ففي قلب الغربة، والمرض، والانشغال، والمواقف الضاغطة…
ما زال بإمكاننا أن نختار كيف نعيش.
ربما ليس دائمًا بفرحٍ كامل،
لكن حتمًا بإرادة لا تنكسر.
الخاتمة:
في نهاية الأمر، لا يتعلق العيد بالكمال، ولا الفرح بظروفنا.
ربما نمر بأعياد لا تشبه الصورة التي نحلم بها،
لكننا نملك دائمًا الخيار:
أن نضيء شمعة وسط العتمة،
أن نصنع لحظة صغيرة لأحبائنا،
أن نزرع أثرًا في قلب يوم عادي.
في المرض، في الغربة، في الزحام…
الفرح لا ينتظر الظروف، بل يُولد من داخلنا.
نصنعه نحن، ونمدّه لمن نحب، بما نملك، ولو بكلمة.
تذكّر دومًا:
سجن الإنسان عقله،
وقيوده في أفكاره، لا في ظروفه المحيطة.
