جيل الآيباد و ChatGPT … أين نصنع هويته؟

جيل الآيباد و ChatGPT … أين نصنع هويته؟

صورة المقال

مع بداية اختبارات نهاية العام وانشغال الأسر بها، تذكّرت تغريدة نشرتها لبنى الخميس (صاحبة بودكاست أبجورة) عبر منصة X وسناب شات، تقول فيها:

“الحمد لله ألف مرة أني:
• تخرجت قبل ChatGPT
• عشت طفولتي قبل الآيباد
• درست عربي قبل هوس المدارس العالمية”

أثارت هذه التغريدة بداخلي تساؤلات عديدة يطرحها كثير من الآباء والأمهات:
كيف نختار المدرسة المناسبة لأطفالنا؟
ما الصواب وما الخطأ؟
هل تغيّر التعليم فعلًا، أم أن التغيّر حدث في داخلنا؟


بين الضغط الاجتماعي والبوصلة الداخلية

شخصيًا، شهدت قصصًا كثيرة لأهالٍ ندموا على خياراتهم… بعضهم اختار المدارس لإرضاء الناس، والبعض الآخر انساق وراء المظاهر، دون قناعة. وهناك من اختار بناءً على مبادئه، لكنه لم يصمد أمام ضغط المجتمع.

طرحت سؤالًا عبر سناب شات لفتح النقاش:
ما كانت أولوياتكم عند اختيار مدارس أبنائكم؟
هل اللغة؟ أم الدين؟ أم المجتمع؟

أغلب الردود اتفقت على أهمية البيئة والمجتمع، مع ملاحظة أن كثيرًا من الأهالي غيّروا خياراتهم مع الوقت، فعادوا من المدارس العالمية إلى مدارس تُعزّز اللغة العربية والقرآن، بعد أن خاض أبناؤهم الكبار التجربة.


الأولويات تتغير… مع نضج الوالدين

قالت لي صديقة تفسيرًا جميلًا لهذا التغيّر:
ليس فقط بسبب فقدان الهوية أو ضعف العربية، بل لأن الوالدين أنفسهم تغيّرت أولوياتهم مع العمر.

فما نراه مهمًا في العشرينات قد لا يكون أولوية في الثلاثينات أو الأربعينات، وهذا الشعور ينتقل إلى الأبناء ويؤثر في توجهاتهم، سواء نحو اللغات أو القيم أو الهُوية.

مدرسة تجمع بين الدين واللغة؟ حلم صعب المنال

الكثير من الأمهات أكدن محاولتهن إيجاد مدرسة تجمع الدين، اللغة، والبيئة الجيدة. لكن هذا الخيار نادر جدًا، بل شبه معدوم في بعض المناطق.

جاءني رد يحمل الكثير من الحيرة من أم قضت سنوات في الخارج، وتبحث الآن عن مدرسة تجمع الهوية الإسلامية والتعليم القوي باللغة الإنجليزية.

وردًا على حيرتها، أحببت أن أشارك تجربتين: تجربتي وتجربة صديقة.


تجربة صديقة: صمود رغم الضغط

صديقتي اختارت مدرسة تُعزّز الهوية الإسلامية والعربية. اللغة الإنجليزية، كما قالت، أمر يمكن اكتسابه بدورات خارجية.

واجهت ضغطًا اجتماعيًا كبيرًا، وسمعت تعليقات جارحة لها ولأبنائها، لكنها صمدت.

واليوم، أبناؤها في المرحلة الثانوية، وهي تشكر الله أنها لم تتنازل.
أكدت أن المدرسة لا تكفي، وأن دور الأهل في تنمية مهارات الطفل داخل البيت لا يقل أهمية.

ابنتها الكبرى مثلًا، بطلة في الفنون القتالية بفضل جهدها الشخصي خارج إطار المدرسة.


تجربتي الشخصية: حب العربية… وقناعة راسخة

قبل عشر سنوات، ومع رواج المدارس العالمية، رفضت تسجيل بناتي فيها لأسباب كثيرة:

1. عشقي الكبير للغة العربية، بكل مفرداتها وتعابيرها. لم أتخيل أن تتحوّل إلى “مادة” تُدرّس ساعات محدودة في الأسبوع، بدل أن تكون لغة حياة.
2. قناعتي بأن الطفل يكتسب الإنجليزية بسهولة، خصوصًا مع هذا الانفتاح الإعلامي والتقني.
3. إيماني بدور اللغة في توسيع المدارك وتعزيز الإبداع. كثيرًا ما أعود لهذا المقطع الذي يعيد لي الثقة في قراري:
أهمية اللغة في تشكيل الفكر – يوتيوب
4. كنت قد عدت لتوي من سنغافورة، حيث خاضت بناتي تجربة رائعة في مدارس عالمية حقيقية. وهناك فرق كبير بين تلك المدارس وما يُسمى مدارس عالمية عندنا، سواء في المناهج أو جودة التعليم أو تأهيل المدرسين.
5. كثير من المدارس العالمية عندنا يعمل بها معلمون غير ناطقين أصليين بالإنجليزية، فكانت النتيجة أن الطفل لا يُتقن العربية ولا الإنجليزية كما يجب.


هل شككت في قراري؟ نعم… لكنني لم أندم

مررت بلحظات ضعف، تساءلت: هل أؤذي بناتي بخياري هذا؟
فاستشرت صديقاتي ممن اختاروا المدارس العالمية، وفوجئت بأن كثيرًا منهن ندمن بشدة.

الأسباب؟
• حب الأطفال للغة الإنجليزية أكثر من العربية
• ضعف فهمهم للقرآن
• صعوبة متابعة دراستهم في جامعات محلية، مما يدفعهم للخارج وهو خيار لا يناسب كل الأسر


في هذا السياق، تحدث أحمد الجبرين، رائد الأعمال السعودي والكاتب، عن تأثير المدارس العالمية على هوية المجتمع، في سلسلة قصص مهمة عبر حسابه على سناب شات (ومثبّتة للرجوع إليها):

https://snapchat.com/t/vmnGzSuq

تحدٍ إضافي: الإعلام والتقنية تغلبنا على أطفالنا

رغم كل هذا الحرص على تعزيز اللغة العربية، تبقى الإنجليزية طاغية:
المحتوى المرئي، الألعاب، التطبيقات، وحتى الحوار اليومي أحيانًا.

كما أن مناهج اللغة العربية تراجعت كثيرًا مقارنة بما كنّا ندرسه في طفولتنا.
لا مادة تعبير، لا دروس خط، بل أصبحت المواد مختصرة في كتاب صغير لا يلامس روح اللغة، ولا يشجّع الطفل على حبها.


لا توجد مدرسة مثالية… فابحث عن أولويتك

لا نظام تعليمي يجمع كل شيء:
مناهج قوية، لغة متقنة، تربية سليمة، بيئة صالحة، وهوية واضحة…

ولا يوجد “صح” واحد مطلق في هذا القرار.

كل إنسان لديه أولوياته.
من الناس من يقدّم الدين، ومنهم من يركّز على اللغة، وآخر يهتم بالبيئة والمجتمع.

المدرسة التي تحقّق لك أولويتك الكبرى، هي اختيارك الأمثل.
والباقي؟ يكمله البيت.
يكمله وعيك كأم أو أب.
يكمله اهتمامك خارج أسوار المدرسة.


في نهاية المطاف…

لا توجد وصفة جاهزة لاختيار المدرسة المثالية.
لكل بيت ظروفه، ولكل أم وأب أولوياتهم، ولكل طفل احتياجاته الخاصة.

لكن ما يبقى ثابتًا هو:
أن يكون القرار نابعًا من قناعة لا من ضغط،
من وعي لا من مجاراة،
من نظرة بعيدة لا لحظة انبهار مؤقت.

ربما لا نملك تغيير كل ما في التعليم،
لكننا نملك أن نُحسن الاختيار، وأن نكمّل النقص بما نستطيع.


والسؤال الآن لك:

ما هي أولويتك الكبرى عندما تختار مدرسة لطفلك؟
وهل تغيّرت نظرتك مع مرور السنوات؟