في زمن الراحة… كيف نعلّم أطفالنا تحمّل المسؤولية؟
حضرت الأسبوع الماضي (للمرة الأولى في حياتي) مجلسًا لمناقشة الكتب، وكان الكتاب محور اللقاء هو أمومة بيضاء للكاتبة سارة عيسى الوحيدي.
لم أتمكن من قراءة الكتاب مسبقًا، لكني استمتعت جدًا بمناقشة محتواه، فقد كان النقاش غنيًا بالتجارب والخبرات، من أمهات جدد وأمهات سبقن الطريق. أكثر ما استوقفني سؤال بسيط لكنه عميق:
كيف نعلّم أطفالنا تحمّل المسؤولية في زمن تتوفر فيه كل سبل الراحة؟
في الماضي، كان الأطفال يشاركون في مهام الحياة اليومية بجدية قد نراها اليوم “قاسية”، لكنّها كوّنت شخصيات صلبة، تعرف واجباتها، وتدير حياتها بكفاءة. رجال يعملون منذ الصغر. نساء يعرفن متطلبات الحياة ويُقدّرن قيمتها.
أذكر دائمًا قصة أمي عن ولادتها الأولى، حين كان “طفل” الجيران الذي لم يتجاوز الثلاث سنوات، يحضر لها الخبز يوميًا. اليوم، أطفالنا كل شيء يُنجز لهم بضغطة زر، ولم تعد الحياة اليومية تطلب منهم الكثير.
أضف إلى ذلك، أن تركيزنا كأهل انحصر على التحصيل الدراسي والمستقبل المهني، وأغفلنا بقية أوجه الحياة: الواجبات الدينية، العائلية، الصحية، والاجتماعية. نسينا أن نعلمهم كيف يكون الإنسان مسؤولًا عن نفسه ومن حوله.
ربما لهذا السبب نرى اليوم خوفًا واضحًا من الزواج وتكوين الأسرة، لأن “المسؤولية” باتت ثقيلة على جيل لم يتدرّب عليها.
ردّ من القلب عن تربية الأطفال على المسؤولية
سألت في حسابي على سناب شات: كيف نربّي أبناءنا على تحمّل المسؤولية؟
وصلني ردّ مفصّل من صديقة وأخت الغربة، تعلّمت منها الكثير في توزيع المهام على الأطفال ومنحهم المسؤوليّات. حاولتُ اختصاره لكتابته هنا، لكنّي وجدت أن كل كلمة فيه تحمل قيمة، ففضّلتُ أن أضعه كما هو للفائدة:
سبحان الله، الدين شامل ويُعلّمهم كافة أنواع المسؤولية.
وأسرع طريقة تلمسينها في أطفالك عن طريق قصص الصحابة: مسؤولية تجاه الله سبحانه، والرسول، والقرآن.
مسؤولية تجاه المجتمع، والناس المحيطين، والوطن.
مسؤولية فردية في تصرفاته وأخطائه.
حتى مسؤولية على الآباء: كيف نربي أولادنا وأنهم أمانة ونُحاسب عليها.
مسؤولية تجاه الأسرة: الأم، الأب، الإخوة… كيف نرعى بعض ونحافظ على بعض.
حتى على مستوى القيادة: مسؤولية، والأشخاص اللي تحتك، أنت مسؤول عنهم ومحاسب عليهم.
هذا بشكل عام، خذي منها وطبّقي في حياتهم اليومية، حسب أعمارهم وقدراتهم.
كل واحد مسؤول عن نفسه وتصرفاته، تحت مظلة الوالدين أكيد.
غير أنها تقوّي شخصيتهم وتبنيها، وتعزز ثقتهم بأنفسهم، وتخليهم قياديين، وتميزهم عن غيرهم، ويعتمدوا على نفسهم.
طبعًا ما تجي في يوم وليلة (وشخصيات الأطفال تختلف)،
بس أقلها أحاول باللي أقدر عليه.
بالنسبة لي: يوميًا أحرص على مهام يومية تناسبهم، وممنوع أحد يخدمهم في أشيائهم الخاصة.
أنا ضد الدلال الزائد، ومعاملتهم كأنهم ما يفهمون ولا يعرفون، وفقط يأكلون ويلعبون.
لا، بالعكس، كل واحد فيهم ربي خلقه عشان يعمل في الأرض ويعمرها.
هذا رأيي الشخصي، ويُحتمل الصواب والخطأ.
هذا الرد حرّك في داخلي تأملات كثيرة، فأنا رغم أني كنت مدلّلة في بيت أهلي، إلا أني رأيت المسؤولية تتجسّد في إخوتي الكبار. كبرت وأنا أراهم يعتنون بنا ويوصلوننا ويهتمون بكل تفاصيلنا.
وعندما غادرت بيت أهلي للزواج والغربة في عمر ٢٢، كنت جاهزة لإدارة نفسي وحياتي، لأنهم – من حيث لا يدرون – ربّوني على المسؤولية بالفعل لا بالقول.
أتذكّر يوم طلبت من والدي…
أتذكّر يوم طلبت من والدي في الصف الثالث ثانوي أن يوفر لي معلمة خصوصية للرياضيات والكيمياء (أسوة بصديقاتي)، فقال بهدوء:
هو مستقبلك، وأنت المسؤولة عنه. اجتهدي لأجلك، لا لي.
رفض طلبي في زمن لا يتوفر فيه الشرح على يوتيوب وغيره من البرامج، ولا يوجد يوتيوب من أصله، فاشتريت كتب التبسيط ودرست وحدي… ونلت درجات شبه كاملة.
يومها فهمت معنى: “تحمّل مسؤولية مستقبلك”.
لكن الحقيقة أن المسؤولية لا تُزرع فجأة. إنها نتيجة تربية واعية، وتجارب متراكمة. تبدأ من الطفولة وتتشكّل بالتدريج.
إليك تصورًا عمليًا ومبسّطًا لمهام يمكن تكليف الطفل بها، حسب عمره، لتنمية حس المسؤولية:
من عمر ٢–٤ سنوات:
- جمع ألعابه بعد اللعب.
- اختيار ملابسه من خيارين.
- ترتيب السفرة بالملاعق والمناديل.
- تنظيف ما يسكبه بفوطة صغيرة.
- إيصال غرض بسيط لأحد إخوته.
من عمر ٥–٧ سنوات:
- ترتيب سريره يوميًا.
- وضع ملابسه المتسخة في السلة.
- المشاركة في التسوق.
- العناية بنبتة صغيرة.
- تجهيز حقيبته المدرسية بنفسه.
من عمر ٨–١٠ سنوات:
- تحضير فطور بسيط له أو لإخوته.
- تنظيف غرفته أسبوعيًا.
- إعداد قائمة مهامه بالتعاون معك.
- المساعدة في إعداد العشاء.
- رعاية أخ أصغر لبضع دقائق.
من عمر ١١–١٣ سنة:
- مهام أسبوعية ثابتة (إخراج القمامة، تنظيف السيارة).
- إدارة مصروف صغير.
- تنظيم هدية أو كتابة رسالة شكر.
- المشاركة في اتخاذ قرارات شخصية.
من عمر ١٤ عامًا فما فوق:
- المشاركة في طلبات المنزل ومهامه.
- تنظيم جدوله بنفسه.
- التطوع أو المساهمة في نشاط اجتماعي.
- الحوار حول مستقبله وقيمه وقراراته.
المسؤولية لا تُعلَّم بالكلام، بل تُمنح كفرصة.
والمربي الناجح لا يراقب فقط، بل يُعطي مساحة للتجربة والخطأ.
ما يحتاجه طفلك أكثر من التوجيه… أن يشعر أنك تثق به.
الخاتمة
في زمن الوفرة وسهولة الوصول، لم تعد المسؤولية تنشأ تلقائيًا كما كانت. بل أصبحت تحتاج إلى وعي وتدرّج وقرارات نُمارسها كل يوم داخل البيت.
نحن لا نُعلّم أطفالنا ليرتبوا أسرّتهم فقط أو يُحضروا أغراضهم بأنفسهم، بل نُعلّمهم كيف يكونون بشرًا مسؤولين عن حياتهم واختياراتهم، عن دينهم وصحتهم، عن مجتمعهم ومن حولهم.
نُعلّمهم أن كل نعمة تحتاج شكرًا، وكل حرية تحتاج التزامًا، وكل دور في الحياة يأتي معه واجب لا بد أن يُؤدى.
وغرس المسؤولية يبدأ بكلمة، ثم فعل، ثم ثقة تُمنح، ثم موقف يُبنى عليه.
امنح طفلك اليوم مهمة صغيرة… وستمنحه غدًا شخصية كبيرة.
