هل الالتزام بالمواعيد مسألة جيل أم تربية؟

هل الالتزام بالمواعيد مسألة جيل أم تربية؟

الالتزام بالمواعيد

قبل يومين، تأخرت مراجعتي ذات التسعة عشر ربيعًا عن موعدها، لم ترد على اتصالاتي ولا على الرسائل، وفي النهاية لم تحضر أصلًا، رغم أنها أكدت لي الحضور قبلها بيوم.

تذكرت حينها موقفًا آخر قبل أسابيع، عندما أرسل لي الطبيب الذي يشاركني العيادة رسالة اعتذار لتأخره ربع ساعة فقط. في نفس اليوم، تأخرت موظفة عن الحضور لما يقارب الساعة… دون أي خبر أو حتى اعتذار.

هذان الموقفان جعلاني أفكر في مسألة الالتزام من زاوية مختلفة.

هل التزام الأشخاص يرتبط بأعمارهم؟ أم بجيلهم؟ أم هو انعكاس للتربية؟

شاركت هذا التساؤل على حسابي في سناب شات:
لماذا يحرص جيلنا على المواعيد، ويعتذر عند التأخير، بينما جيل الألفية وما بعده ينسحب دون خبر، ولا حتى يرد عند الاتصال؟

الردود التي وصلتني كانت كثيرة، وكأن السؤال لامس ألمًا يعاني منه كثيرون.

لكن في المقابل، انتقد البعض تعميمي، وقالوا:
في جيل الألفية شباب في قمة الالتزام والاحترام، وفي جيلنا من فقدوا قيمة الالتزام تمامًا.

وبصراحة، معهم حق.
التعميم لغة الجهلاء.
والمواقف، إذا كانت متكررة، قد تدفع الإنسان إلى إصدار أحكام سريعة غير منصفة.

من الردود التي أثرت فيني، تلك التي تحدث أصحابها عن شعورهم بأن المجتمع “يعاقب” الملتزم.
يُستهزأ به. يُثقل عليه. تُضعف علاقاته لأنه “جاد أكثر من اللازم”.

وهنا يأتي السؤال:
كيف نُحسن التعامل مع الشخص غير الملتزم؟ هل نقاطعه؟ نعاتبه؟ نتغاضى؟

أعتقد أن الرد يختلف حسب نوع العلاقة وطبيعة الموعد:

في المناسبات الاجتماعية:
التغاضي هو الحل.

لأن الهدف من هذه المناسبات هو الفرح، التواصل، إدخال السرور.

ولو انتظرنا ربع ساعة أو أكثر، يمكننا قضاء الوقت بقراءة، أو تصفح الجوال، أو حتى التأمل.

أجهزتنا بيدنا، والفرصة متاحة لملء الوقت بشيء نافع أو مسلٍ.

وفوق ذلك، من منا خالٍ من العيوب؟

أما في مواعيد العمل والاجتماعات:
الأمر هنا مختلف تمامًا، ولا مجال للتساهل.

وصلني تعليق من المهندس محمد عشماوي (الشريك المؤسس لمنصة كلاسيرا) على سناب شات، عبّر فيه عن الفكرة بدقة عالية، وقال لي:

“كل دقيقة تأخير تُضيّع ٢٠ دقيقة من وقت القادة، لأن القائد لا يعمل وحده،
بل خلفه فرق وقرارات وجداول مرتبطة.
لذا، كل ١٠ دقائق تأخير تساوي فعليًا ١٠٠ دقيقة من الوقت المُهدَر.

في عالم الأعمال، عدم الالتزام بالموعد هو عدم احترام للطرف الآخر.
لأنك بذلك تُهدر وقت شخص خصص لك حيّزًا من يومه، كان بإمكانه أن ينجز فيه شيئًا نافعًا:
يقرأ، يراجع بريده، يخطط.

لذلك من الأفضل دومًا أن تستعد ببدائل مسبقة، إذا كان الموعد مع شخص معروف بعدم التزامه.”

كلامه كان بمثابة تلخيص واقعي لما يحدث كل يوم في اجتماعات العمل،
ويستحق أن يُكتب ويُعلّق على أبواب غرف الاجتماعات.

لكن دعنا نعود للجوهر.

الالتزام الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل.
الملتزم في مواعيده هو غالبًا شخص ملتزم في طعامه، نومه، جدوله، أولوياته.

أما غير الملتزم، فهو غالبًا من يسير يومه بحسب مزاجه،
لا يشعر بقيمة الوقت ولا يحترم جدوله، فكيف يحترم وقت الآخرين؟

والسؤال الذي يطرح نفسه:
هل الالتزام عادة؟ أم تربية؟

من وجهة نظري، التربية هي الأساس.

الطفل الذي تعلّم منذ صغره احترام الوقت،
أن الاعتذار ليس ضعفًا، بل قيمة،
أن التأخير يؤذي الآخرين كما يؤذيه…
هذا الطفل سيكبر وفي داخله “بوصلة التزام”، لا تهتز.

كيف نغرس قيمة الالتزام في نفوس أطفالنا؟

الالتزام لا يُزرع في يوم وليلة، بل هو ثمرة تربية طويلة تبدأ من الطفولة وتُبنى على مواقف يومية بسيطة:

  • تعليم الطفل أن الكلمة وعد، فإذا قال “سآتي” أو “سأنهي المهمة” فعليه أن يفي بوعده.
  • الربط له بين الصدق والالتزام، وبين الكذب والتهاون.
  • عدم السماح له بالاعتذار دون مبرر حقيقي حتى يتعلم أن الالتزام لا يسقط بالكسل أو المزاج.
  • إذا وعد، تابع معه التنفيذ خطوة بخطوة، حتى يشعر أن الوعد مسؤولية لا مزحة.
  • اجعل حديث النبي ﷺ جزءًا من الحديث اليومي بينكما:

قال رسول الله ﷺ:
آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
(رواه البخاري ومسلم)

اشرح له بلغة مبسطة أن الإسلام لا يربط الالتزام فقط بالنظام، بل بالإيمان نفسه.
وأن خيانة الوعد ليست مجرد “نسيان” أو “تأخير”، بل من صفات المنافقين التي يجب أن يحذر منها كل مؤمن.

ذكّره دومًا أن الالتزام ليس لمن يراقبنا، بل لمن نُحب أن نكون عنده صادقين: الله أولًا، ثم أنفسنا، ثم من حولنا.

الالتزام… قيمة تُزرع في البيت وتثمر في الحياة

في زمنٍ تتغير فيه الموازين وتزداد فيه الضغوط، يبقى الالتزام من أثمن القيم التي نغرسها في أبنائنا.

قيمة لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالمواقف المتكررة، وبالقدوة الصادقة.

علّم أطفالك أن الالتزام لا يعني فقط أن نحضر في الوقت المحدد،
بل أن نفي بالوعد، ونحترم الآخرين، ونكون صادقين مع أنفسنا قبل كل شيء.

وإن رأيت التراخي أو التهاون منهم، لا تكتفِ بالتوجيه اللفظي،
بل راجع بيئة البيت:
هل نحن ملتزمون بما نقول؟ هل نفي بوعودنا معهم؟
فالأبناء يرون بأعينهم أكثر مما يسمعون بآذانهم.

وذكّرهم دومًا أن الالتزام ليس مجرد عادة… بل أخلاق إيمانية، نُحاسب عليها أمام الله قبل الناس.

أنت اليوم تصنع إنسانًا يعرف معنى “الكلمة”،
وغدًا سيكون هو من يغيّر عالمًا بكلمة.