هل نلغي الحكمة إذا خرجت من شخص لا يوافقنا؟

هل نلغي الحكمة إذا خرجت من شخص لا يوافقنا؟

هل نلغي الحكمة؟

عندما قررت أن أبدأ صناعة المحتوى على سناب شات، قمت بتلخيص بودكاست قيّم للدكتور نايف بن نهار، تحدث فيه عن البوصلة القرآنية في التربية. شاركت التلخيص في حسابي ثم حولته إلى مقالة نشرتها في المدونة.

بعد أيام قليلة، اندلعت حملة هجوم على الدكتور نايف في منصة X، تتهمه في توجهاته الدينية والفكرية، وتدعو الناس إلى التوقف عن سماعه وترك الاستفادة من علمه.

في خضم هذا الهجوم، سألتني صديقة عزيزة: “إيش رأيك فيه؟ أنت لخصتي البودكاست ومدحتيه… ما تخافين من فكره؟”

أجبتها دون تردد:
أنا منال، لا أرفض أي علم نافع من أي شخص، أيًّا كان فكره أو سلوكه.
ما يهمني: هل ما قاله يضيف لي؟ يوسّع مداركي؟ ينفعني في واقعي؟

لو كنا لا نأخذ إلا ممّن يوافقنا في الفكر والدين والسلوك،
لما نهل الغرب من علوم الإسلام،
ولما استفدنا نحن اليوم من آلاف البعثات الدراسية والمناهج الحديثة في العالم.

طرحت هذا السؤال على متابعيني في سناب:
“لو افترضنا أن الهجوم عليه صحيح… هل نترك الفائدة والعلم الذي قاله؟”

أكثر إجابة اختصرت كل الجدل كانت:
“الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها”
رغم أن الحديث ضعيف سندًا، لكنه صحيح معنىً، وينطبق على كل زمان ومكان.

في كتاب منطق ابن خلدون (ص108)، يتحدث الدكتور علي الوردي عن قانون في المنطق الأرسطي يُدعى “عدم التناقض”:
الشيء إما خير أو شر، ولا يمكن أن يكون الإثنين معًا.
لكنه يضيف: هذا القانون مجرد “تجريد ذهني”، أما في الواقع المادي، فالأشياء غالبًا ما تكون خيرًا وشرًا في نفس الوقت.
ننظر لها من جهة فنراها مفيدة، ومن جهة أخرى فنراها مؤذية.

ثم يضيف في (ص253):
كان الفلاسفة يعتقدون أن السلوك يتبع التفكير، وكلما صحّ فكر الإنسان، صحّ سلوكه.
لكن العلم الحديث يثبت العكس:
قد يكون الإنسان مفكرًا عظيمًا، لكنه سيء السلوك.
والعكس كذلك.

ابن خلدون نفسه، الذي غيّر مسار علم الاجتماع، وابتكر نظريات خلدها التاريخ…
كان في حياته الشخصية متملقًا، يميل لأصحاب السلطة، ويجاملهم.

الخلاصة: لا تربط العلم بسلوك صاحبه.
نقِّي الأفكار، واستفد منها، ثم انسَ من قالها.
خذ ما ينفعك، واترك الباقي.

“خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين”

فالحكمة قد تأتيك من شخص لا تتوقع منه شيئًا، لكنها تضيء لك طريقًا كاملًا.

هل نلغي الشخص فنلغي فكره؟

أحد أخطر آثار الإلغاء الكامل هو أننا لا نلغي الأشخاص فقط… بل نلغي ما يحملونه من علم، وتجربة، وفكر.

إذا تعوّد الطفل أو الشاب ألا يسمع إلا ممن يتفق معهم في الدين أو الفكر أو حتى نمط الحياة،
فإننا نزرع في عقله أداة فرز خطيرة لا تقوم على الوعي بل على الهوى.

بمرور الوقت، تصبح عقولنا عاجزة عن التمييز بين الفكرة وصاحبها،
فنرفض الحكمة لمجرد أنها خرجت من فم لا يعجبنا.

وهنا مكمن الخطر التربوي:
هل نريد أن نربي أبناءنا على الانتقائية الواعية… أم الانتقائية العمياء؟
هل نعلمهم أن الحكمة تُؤخذ ممن قالها، لا ممن هو؟
أم نغرس فيهم أن الناس صناديق مغلقة: إما أبيض نأخذه كله، أو أسود نرفضه كله؟

الإلغاء الكامل لا يُقصي الأشخاص فحسب، بل يُقزّم عقول الأجيال
ويحرمهم من أدوات التفكير النقدي، ويجعل مصادرهم محدودة ومتشابهة.

وهذا لا يصنع وعيًا… بل يصنع جهلًا مغلفًا بالثقة.

إذا أردت أن تربي عقلًا حرًا… فامنحه تنوعًا في المصادر.
وإذا أردت أن تبني إنسانًا وازنًا… فعلمه كيف يفرز الأفكار لا الأشخاص.

ضوابط مهمة للاستفادة من “أي أحد”

إذا اتفقنا أننا سنأخذ الفائدة من كل مصدر نافع، فعلينا أن نمتلك أدوات تحمينا من الانجراف والانبهار.

أول هذه الأدوات: الفلترة الواعية.
أن تتعلّم أن تلتقط الحكمة، دون أن تنساق خلف الشخصية أو تتأثر بسلوكها.
ليس كل فائدة تعني تأييد شامل…
و ليس كل إعجاب بفكرة يعني إعجابًا بصاحبها أو بتوجهه.

وثانيها: التمييز بين التأثر والإعجاب.
التأثر لحظي وقد يكون مرتبطًا بكلام قوي أو موقف إنساني،
بينما الإعجاب أعمق، وقد يقود إلى تبنّي الأفكار دون وعي.
علّم أبناءك أن لا يذوبوا في الأشخاص مهما بدوا لامعين…
بل يزنوا كل فكرة بميزان العقل والقيم، لا العاطفة والانبهار.

وثالثها: الوضوح مع النفس.
حين تقرأ أو تسمع شيئًا نافعًا من شخص لا تتفق معه، لا تحتاج تبرير ذلك لأحد.
أنت فقط تستفيد… لا تصادق، ولا تؤيد، ولا تبايع.

في زمن التغريدات… لماذا نحتاج نفتح عقولنا؟

اليوم… منصة واحدة مثل “إكس” كفيلة بإلغاء قيمة إنسان بالكامل بسبب تغريدة.
الناس تقرأ نصف رأي، أو تشاهد مقطع مبتور، وتحكم على الشخص كله.
صارت المواقف تُبنى على لقطة… وتُنسى كتب، محاضرات، مسيرة كاملة من العطاء.
وهذا الخطر لا يصيبنا وحدنا، بل يمتد لأبنائنا أيضًا.

إذا ربّينا أبناءنا على أن يسمعوا فقط لمن يشبههم، ويأخذوا فقط ممن يوافقهم،
فلا نلومهم إن ضاقت عقولهم، وضاعت فرص نموّهم، وضعُفوا أمام أي اختلاف.

المعرفة تتسع… حين نسمح لها بالدخول من أبواب متعددة.
والعقل لا ينضج إلا بالتجربة والمقارنة، لا بالتكرار والتشابه.

علّم أبناءك أن يقولوا:
“أنا لا أوافقه في كل شيء… لكن هذي الفكرة لفتتني.”

علّمهم أن الاختلاف لا يلغي الفائدة…
وأن الحكمة ليست حكرًا على أحد.

الخاتمة

هل جلست يومًا مع نفسك وفكرت:
كم فكرة ثمينة فاتتني… فقط لأني رفضت صاحبها؟

هل سألت نفسك:
لو كنت لا آخذ إلا ممن يشبهني تمامًا… كم من العلم والمعرفة كنت سأخسر؟

المواقف تصنعها الأفكار، لا الأشخاص.
والنضج لا يعني أن تُشبِه من حولك، بل أن تُحسن الفهم، وتحكم بميزانك الخاص.

في زمن الضجيج وتضخيم الأشخاص…
نحتاج نُعلّم أبناءنا أن يميزوا بين القول والقائل.
أن يتعلّموا التفكير لا التبعية…
الفلترة لا الإلغاء…
الاستفادة لا الانبهار.

الحكمة ليست مرتبطة ببطاقة هوية، ولا بانتماء، ولا بسيرة ذاتية.
هي فكرة… تُلامس عقلك وتوسّع مداركك.

ما رأيك؟
هل تؤمن أن الفكرة تُؤخذ مهما كان قائلها؟
وهل تعلّم أبناءك أن يفرّقوا بين النور والظل داخل كل شخص؟

أضف تعليق