الألم لا يمنعك من الحياة… إنما يعلّمك كيف تحيا
في الأسبوع الماضي، وصلني كتاب د. حمد بن جروان “صعود من الهاوية”، الذي طلبته من موقع دار النشر
من هنا.
الكتاب صدر بالتزامن مع معرض الرياض الدولي للكتاب، ولا يتوفر حاليًا إلا من خلال موقع الدار.
اقتنيت الكتاب لأنه يوثق رحلة الدكتور حمد مع المرض خلال 16 عامًا من الألم والمقاومة.
الكتاب خفيف، صغير الحجم، لكن ثقيل الأثر. أنهيته في جلسة واحدة قبل النوم، ولم أستطع أن أغلقه حتى قرأت آخر كلمة فيه.
لن أروي قصته، فمهما حاولت لن أتمكن من إيصال عمق إحساس الكاتب. لكن ما سأشاركه معك اليوم هو الرسائل التي وصلتني منه، وهي رسائل شعرت بها بكل جوارحي، لأنها تشبهني وتشبهك وتشبهنا جميعًا.
من هو د. حمد بن جروان؟
هو سفير المملكة لمرضى السرطان، وصاحب مسيرة استثنائية في التحدي والرضا.
يمكنك التعرف عليه خلال مقطع احتفظت به من حسابه في سناب شات، قال فيه:
عمري وقتها ٢١ سنة، قبل ١٦ سنة، جابوني الأطباء في غرفة، وعددهم ٥، وقالوا:
“جب معك واحد”، وقالوا: “اسمع… يا شلل يا موت!
يا نسوي العملية ونشيل الحبل الشوكي ويصير شلل،
يا ما نسوي العملية وينتشر المرض (الساركوما) وتكون الوفاة”.
وهذا أنا، ولله الحمد، لا متت ولا صار شلل.
نفس الوضع يتكرر اليوم، لكن مثل ما اللّٰه كتب لي هذا العمر كله، مع إنه تعب ومعاناة…
ثقتي بالله إن الأمور بتكون أفضل.
قسم بالله هذا إحساسي، ما هو ادعاء مثالية،
لكن قلب المؤمن دليله، وقلبي يقول رغم كل اللي شفتوه:
بإذن اللّٰه إن ربي بيختار ما كانت فيه الخيرة.
والله إني سعيد جدًا
لا أحد يخلو من الألم… لكن البعض يمشي بجانبه
الرسالة الأولى التي التقطتها:
لا يوجد أحد في هذه الدنيا بلا ألم…
لكن الفرق بين الناس ليس في خلوهم من الابتلاء، بل في تعاملهم معه.
قال حكيم عندما سمع أحدهم يقول لآخر: “لا أراك الله مكروهًا”:
“كأنك دعوت عليه بالموت، فإن صاحب الدنيا لابد أن يرى مكروهًا.”
الابتلاء لا يقطع طريق الحياة، بل يسير بجانبه
وهذه من الدروس العظمى التي تلقيتها في السنوات القليلة الماضية؛ أن الحياة تمشي بطريق موازي للألم (الابتلاء أيًّا كان نوعه) ولا تتقاطع معه وأنت من تختار…
- إما أن تتقبل الابتلاء وتكمل طريقك الموازي له قدر امكانيتك واستطاعتك
- أو تبقى واقفًا في منتصف الطريق بانتظار أن ينتهي الألم.
الخيار الثاني قاتل… لأن الحياة ستتحول إلى جمود، لا طعم فيها ولا لون وتتحول كل لحظة إلى عبء، ويزداد وقع الألم أكثر.
الناس يستمدون قوتهم منك
من واقع تجربتي، وقصة د. حمد، أيقنت أن من حولنا يستمدون قوتهم منّا ويدعموننا بقدر ما ندعم نحن أنفسنا ونعبر عنها بوضوح، لا لضعف منهم أو تخاذل، لكن بسبب شعورهم الشديد بالعجز عن معرفة ما يمكنهم تقديمه لك في أوقات شدتك.
- كن واضحًا بما تستطيع فعله، وما لا تستطيع.
- عبّر عن مشاعرك، وحدودك النفسية.
- لا تنتظر أن يفهمك الجميع بصمتك.
من يحبك سيحترمك. ومن يتصيدك سيجد ألف فرصة للطعن.
الابتلاء يكشف الوجوه، فلا تحزن.
النية طيبة، لكن وقعها موجع
المجتمع قد يضغط عليك:
- بالفضول المزعج في وقت حساس.
- بالنصائح الجاهزة التي لا تحتاجها.
- بأسوأها: إعلان موتك النفسي وأنت لا زلت حيًا.
لا تسمح بذلك وإن كان من أقرب الناس إليك.
كن درع نفسك، وكن صريحًا مع من حولك، حتى في أكثر لحظاتك ضعفًا.
الإلهام الحقيقي… أن تمشي رغم كل شيء
تخيل هذا المشهد:
د. حمد بن جروان يخرج من موعده في عيادة الأورام صباح يوم الخميس،
ثم يتوجه مباشرة لتوقيع كتابه في معرض الكتاب،
ثم يقضي اليوم التالي في الطوارئ بسبب التعب،
وهو من حصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه خلال رحلة علاجه.
إنها رسالة صارخة لكل من توقف بسبب ألمه:
لا تجعل ألمك حاجزًا أمام أهدافك.
من دلائل العافية النفسية: المرونة
كتب د. أسامة الجامع المتخصص في علم النفس في إحدى تغريداته:
“إن من العناية بالنفس:
– تقبلك لتقدّمك في العمر.
– تقبلك للتغييرات في حياتك، السلبية منها والإيجابية، التي هي من سنن الله في أرضه.
– المرونة في تغيير أهدافك التي ربما لم تعد تصلح للمرحلة التي أنت فيها.
التنازل قد لا يعني ضعفًا، بقدر ما يعني ذكاءً في إدارة حياتك.
تستمر صحتك النفسية أكثر كلما كنت أكثر مرونة مع متغيرات الحياة،
وتقلّ أكثر كلما غلب على حياتك الرفض، والإنكار، والتجنّب.”
قيمة الصبر في التربية… وقصة نبي الله أيوب
في نفس الأسبوع الذي قرأت فيه قصة د. حمد، قرأت مع أطفالي قصة أيوب عليه السلام.
تأملت في قيمة الصبر والتقبّل، وربطتها بما ورد في إحدى تغريدات د. خالد الجابر (استشاري طب الأسرة والعلاج النفسي):
“ما هو مصطلح القناعات العميقة المشهور في العلاج النفسي؟
هي نوع من القناعات أو أنماط التفكير العميقة في الإنسان.. تكون متجذرةً وراسخةً في نفسه، وغالبًا تتشكَّلُ مع الوقت من الطفولة.
هذه القناعات تعطي الإنسان رؤية عن الحياة، عن الألم، والمعاناة، والعلاقات، والأزمات.. كما تحدد موقفه من نفسه، موقفه من المستقبل.. فهي تُشكِّلُ الإنسان مع الوقت!
في رحلة العلاج النفسي، ربما تكون هذه القناعات هي السبب الذي يمنع الإنسان من التعافي والشفاء!”
إذًا… نحن بحاجة لترسيخ قيمة الصبر الواعي، لا الصبر السلبي.
لكن كيف؟
- بالقدوة: أن نصبر أمامهم على عظام الأمور وصغارها.
- بالقصص: أن نقص عليهم قصص الأنبياء والناجين.
- بالتذكير: أن نُريهم عظمة ثواب الصابرين عند الله.
ما قاله السلف… والقرآن… والرسول ﷺ
جمعت من كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف” عددًا من النصوص حول الصبر:
- قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ) فبدأ بالصبر قبل الصلاة، ثم جعل نفسه مع الصابرين.
- وقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)
- وقال ﷺ: “النصر في الصبر” – “بالصبر يُتَوقَّع الفرج” – “ما يُصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكها، إلا حطّ الله بها من خطاياه.” – “إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” – “ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة؛ الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء”
- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه – يرفعه:
“يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء” - وقال علي بن أبي طالب:
“واعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور.”
الختام: فاصبر كما صبر أولوا العزم
قال تعالى:
“فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ”
من هم أولوا العزم؟
قيل: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، وأيوب عليهم السلام.
وقيل أيضًا: نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، ويونس.
في قصصهم خير كثير لنا ولأطفالنا…
الصعود من الهاوية… صعودك أنت أيضًا
إذا كانت الحياة تمضي في طريق موازٍ للألم… فاختر أن تمشي معها.
لا تنتظر زوال الألم، لكن اختر أن تبني حوله حياة.
قد يكون الألم بوابتك لنموٍّ داخلي، وصبرٍ عظيم، ورسالة تُكتب ذات يوم.
هل مررت بتجربة مشابهة؟
هل علمت أبناءك الصبر؟
ما القصص التي تُلهمك عند الشدة؟
شاركني، لعلّنا نضيء لبعضنا الطريق.
