احتفل بهويتك… لا بأعياد غيرك

سُئلت قبل مدة: إذا كان هناك مهارة حياتية واحدة يمكنك تعليمها لأطفالك، فماذا ستكون؟
أجبت بلا تردد: الانفتاح.
الانفتاح على الأماكن، الأشخاص، الثقافات المختلفة، وحتى العادات والتقاليد.
لأن الانفتاح يحمل بين طياته المرونة والتقبل واللطف، ويفتح باب التفاهم والتواصل الفعّال دون أحكام مسبقة.
لكن… هذا الانفتاح لا يكون نافعًا إلا إذا تأسس على بناء نفسي وعقائدي صلب.
بمعنى أنني أتمنى أن يتقن أبنائي هذه المهارة بعد أن أطمئن على قوة تعلقهم بدينهم، واستقامتهم في سلوكهم، والتزامهم بتعاليم الإسلام.
فالانفتاح بلا هوية هو انصهار… وليس اندماجًا.
ولا أحد منا يتمنى أن يرى أبناءه “منسلخين” عن دينهم، باسم “الانفتاح”
يقول الشيخ علي الطنطاوي في الذكريات الجزء السابع:
“فإذا أردتم أن تروا أمة مسلمة تنحو منحى الأجداد وتسلك سبيل المسلمين الأولين الأمجاد فعليكم بالصغار. لقّنوهم من صغرهم الإسلام”
ابن خلدون: المغلوب يقلّد الغالب
في علم الاجتماع يرى ابن خلدون أن “المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب”.
وفي ترجمة أكثر عمقًا: الضعيف يقلد القوي، لا عن اقتناع بل عن شعور بالدونية.
لك أن تتخيل الأثر النفسي العميق الذي نزرعه في نفوس أبنائنا عندما يروننا نقلد الغرب في كل شيء دون تمحيص.
الهوان، الشعور بالنقص، والارتماء في أحضان ثقافة لا تنتمي لنا.
فهل يعني ذلك أن لا نستفيد من الثقافات الأخرى؟
لا، لكننا بحاجة إلى ميزان يزن كل أمر.
وإلى غربال ينقّي كل عادة أو قيمة أو سلوك.
نزن الأمور بميزان الشرع: ما وافق الكتاب والسنة أخذنا به، وما خالفهما تركناه.
عندما يتحوّل الانفتاح إلى انصهار
ما يؤلم القلب هو ذوبان البعض الأعمى في ثقافات وأديان أخرى،
لا بدافع الفضول، بل بدافع تسوّل المحبة والاحترام.
ولكن، كم هو مؤلم أن نعلم أن من نقلدهم يحتقرون من يقلدهم بلا تفكير!
ذات يوم حضرت أختي دورة في نيويورك، وفي ختام الدورة اجتمع المشاركون من كل أنحاء العالم في مطعم لتوديع بعضهم البعض.
كانت من بينهم دكتورة سعودية، تعيش في نيويورك منذ سنوات، تعمل في جامعة مرموقة، وقررت ألا تعود للسعودية بعد البعثة.
كانت تصرفاتها ومظهرها تعكس انصهارها التام في الثقافة الغربية.
حتى إنها شاركت في “شرب النخب”، وسط دهشة الحضور، الذين سألوا أختي عن سبب هذا التناقض.
وكان تعليق أحدهم موجعًا وبليغًا:
“رجاءً، إيمان… لا تتغيري. Keep as yourself.”
في مشهد آخر، كنت في الطوارئ مع ابنتي،
دخلت علينا ممرضة سعودية لطيفة جدًا ذات أخلاق رفيعة، لكن يداها مليئتان بالوشوم ومظهرها يعكس انصهارها الشديد في ثقافة لا تشبهنا
حتى ظننت أنها أجنبية في البداية.
فإذا بها سعودية ذات اسم عربي أصيل.
سألت نفسي: كيف وصلنا إلى هنا؟
الهالوين والكريسمس: أي هوية نحتفل بها؟
الأدهى من كل ذلك…
الاحتفالات التي انتشرت مؤخرًا بين فئات كبيرة من المجتمع بمناسبات الهالوين والكريسماس.
وهنا، لا بد من الوقوف الحازم:
إن التهنئة بأعياد اليهود والنصارى محرّمة بإجماع أهل العلم، فما بالكم بالاحتفال بها؟
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
“إشاعة الاحتفالات بأعياد الكفار وتهنئتهم بها هو رضا بشرائعهم ودينهم، والرضا بشعائر الكفر كفر وخطر على القلوب.”
وقال النبي ﷺ:
“من تشبه بقوم فهو منهم.”
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ:
أنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، – وفي لفظ – شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال فمن
هذه الأحاديث ليست ترهيبًا فارغًا، بل دعوة صريحة لحماية هوية أبنائنا من الذوبان باسم “الانفتاح”.
يقول الطنطاوي رحمه الله :
“ إن الأمة الخاملة صفّ من الأصفار. ما قيمة صفّ من الأصفار؟”
علي الوردي: سلوكك مرآة للمجتمع
يرى الدكتور علي الوردي أن سلوك الفرد يتشكل تحت ضغط المجتمع.
ولذلك فإن الصمت عن هذه الاحتفالات يعززها، ويجعلها “طبيعية” مع الوقت.
واجبنا كمجتمع أن نقول: لا.
أن ننكر ونستبدلها بما يعزز هويتنا وكرامتنا الإسلامية.
درس عن تجربة: لا أحد يحتفل بأعيادك
في كل الدول التي سكنت فيها، وفي المدارس العالمية التي التحق بها أبنائي،
لم أجد مدرسة أجنبية واحدة احتفلت بعيد من أعيادنا.
ولا حتى ذكرت مناسبة دينية لنا باحترام.
بل في احدى المرات، حددت المدرسة مجلس أولياء الأمور في أول أيام عيد الفطر!
اعتذرت وأعطيت أطفالي إجازة ٣ أيام، ليشعروا بفرحة العيد.
الكرامة في التربية تبدأ منك
يقول خبراء تطوير الذات:
“أنت تكون بالمنزلة التي تضع نفسك فيها.”
فأين نضع أنفسنا وأبناءنا اليوم؟
في الواجهة؟
أم في الذيل؟
أعلّم أطفالي الانفتاح، نعم،
لكن أحرص على تعليمهم الكرامة… والتمييز… والاعتزاز بهويتهم.
فما أجمل أن نكون منفتحين دون أن ننسلخ.
