بين الأمومة والوظيفة… قصة كل امرأة

بين الأمومة والوظيفة

بين الأمومة والوظيفة… قصة كل امرأة

في الأسبوع الماضي، قررت أن أطرح سؤالًا بسيطًا في سناب شات:

ما الموضوع الذي ترغبين في نقاشه ومشاركة تجاربك حوله؟

جاءت الردود متنوعة، لكن واحدة منها لامست شيئًا أعرفه جيدًا، وأحسه في كل مرحلة من مراحل حياتي.

كتبت لي إحدى الصديقات:

“الاحتراق الوظيفي… بين الأمومة والوظيفة”

اخترت هذا الموضوع لأنه أحد أكثر المواضيع التي عشتها وناقشتها وكتبت عنها، ولا أظن أنني أوفيه حقه مهما كتبت لأنه صراع أعيشه كل يوم منذ حملي الأول قبل ١٦ عامًا.

طرحت السؤال على المتابعين وطلبت منهم مشاركتي معوقاتهم وتجاربهم، حتى لو كانت فضفضة.

وفوجئت بكمية التفاعل وكأنني فتحت جرحًا مشتركًا بيننا جميعًا.

إحدى الأمهات قالت:

“عندما كنت موظفة، كانت أمومتي أسهل وأقل توترًا، كنت أستمتع بالقهوة وأراقب طفلتي بالكاميرا… التفرغ أصعب بكثير!”

أنا أتفهمها تمامًا.
التفرغ التام من أصعب المهام التي مررت بها.

جربت الدوام الكامل، التفرغ الكامل، والدوام الجزئي.
أفضل تجربة مررت بها كانت حين عملت ٣ أيام في الأسبوع، ٤ ساعات في كل مرة.

الدوام الجزئي والعمل عن بُعد حلول عظيمة…
لكنها ليست متاحة للجميع، ولا يوجد قانون واضح يحمي هذا الخيار.

وقد كتبت عنه في مقالة سابقة:
الدوام الجزئي ليس ترفًا… بل حل لأم تُربّي

لهذا قررت في هذه المقالة أن أبتعد عن “الحلول الخارجة عن السيطرة” مثل نظام العمل، وأركّز فقط على ما تملكينه أنتِ، وتستطيعين تنفيذه في حدود قدراتك.

خطوات واقعية… لتجاوز الاحتراق

أعرف أن الاحتراق لا يميّز بين أم عاملة أو متفرغة.

كلتاهما تتعرض لضغط مستمر، وشعور بالذنب، وفقدان للهوية إن لم تحمِ نفسها وتبني روتينًا واعيًا.

من واقع تجربتي، ومن تفاعل الأمهات، وجدت أن هناك خطوات عملية ممكنة… لا تغيّر النظام، لكنها تغيّر أثره علينا:

  1. اهتمي بصحتك الجسدية والنفسية
    لا تؤجّلي زيارات الطبيب. مارسي المشي. خذي راحة عند التعب. صحتك هي رأس مالك.
  2. اطلبي المساعدة من أهلك بدون خجل
    ليس ضعفًا أن تقولي “أنا محتاجة”. الشراكة تبدأ من المنزل.
  3. افعلي شيئًا تحبينه بصدق
    هوايتك ليست ترفًا. هي مساحة نفسية تبقيك واقفة. اقرئي، اكتبي، ازرعي، خططي، اصنعي. لكن لا تهمليها.
  4. اهتمي بمربع التوازن (الروح، الجسد، العقل، العلاقات)
    كل ركن يدعمك بطريقته.
    – الروح: بالعبادات والذكر
    – الجسد: بالرياضة والغذاء
    – العقل: بالتعلّم
    – العلاقات: بالصحبة الداعمة
  5. تعلّمي في التربية واعملي على تطوير نفسك
    اقرئي. اسمعي. اسألي. تربيتك اليوم تُثمر غدًا.
  6. ركّزي على “الوقت النوعي” لا الكمي
    ساعة صافية مع أطفالك أقوى من يوم مشوّش.
    وتذكّري دومًا: أنهم يكبرون بسرعة… فاستمتعي بهم قبل أن يسبقك الوقت
  7. احذري من سرقة المشتتات
    الجوال، التطبيقات، التنقلات الزائدة… كلها تستنزفك. رتّبي يومك.
  8. احذري من مثالية السوشال ميديا
    المؤثرات لسن مثاليات، خلفهن فرق عمل.
    احذفي الحسابات التي تسرق طاقتك وتولّد ذنبًا وهميًا.
  9. احتسبي الأجر في كل ما تفعلينه
    حتى الترتيب والطبخ والتوصيل والواجبات… هي عبادة إن نوَيتِ بها وجه الله.
  10. ابني مهاراتك بصمت، بعيدًا عن الضغط
    تعلّمي من البودكاست، الكتب، الدورات أونلاين.
    كل مهارة تطوّرينها الآن ستكون سلاحك لاحقًا.

للأمهات العاملات فقط… خطوات ذكية لتخفيف الضغط

أنتِ لستِ آلة، ولا سوبر وومان.
أنتِ أمّ تبذل، وتحب، وتحاول أن توازن بين العمل والمنزل. وهذا بحد ذاته… بطولة.

إليك خطوات من قلب التجارب، تساعدك على الاستمرار دون استنزاف:

  1. فوّضي وتحرّري من المهام الصغيرة
    استعيني بعاملة (أو حتى عاملتين بنظام جزئي)، معلّم منزلي، توصيل خاص… أي مهمة تستهلك طاقتك، فكّري كيف تتخلصين منها بطريقة ذكية.
  2. استفيدي من كل إجازة ممكنة
    لا تفوّتي إجازات الأمومة أو الإجازات العرضية. قد تظنين أنك قوية بما يكفي لتتجاوزيها… لكن جسدك يحتاجك أن تتوقفي قليلًا.
  3. راجعي أولوياتك المهنية والعائلية باستمرار
    متى آخر مرة سألتِ نفسك: ما الذي أريده فعلًا؟ ما الذي يستحق وقتي؟ إعادة ترتيب الأولويات تحفظ طاقتك وتوجّهها.
  4. لا تتسرعي في القفز إلى المناصب الإدارية
    العمل الإداري يبدو مغريًا، لكنه يستنزف طاقة تحتاجينها في بيتك. أحب مقولة الدكتور جاسم المطوع:
    “تخيلي أن هناك قدرًا من الزيت تم استخدامه مرة ومرتين وعشرة، هل يبقى نقيًا صافياً مثل أول مرة؟”
    كذلك الأم، طاقتها تُستهلك، وعليها أن توزّعها بذكاء.
  5. اربطي التزاماتك بمرحلة الطفل العمرية
    1. إن كان طفلك أقل من ٨ سنوات: خفّفي المهام الإدارية أو الإضافية. وركّزي على تعلّمك الذاتي وتطوير مهاراتك.
    2. إن كان أكبر من ٨ سنوات: يمكنك التوسّع حسب قدرتك وبدعم مهاراتك التي قمتي بتطويرها سابقا. لكن لا تنسي أن النجاح لا يعني الانشغال الكامل… بل التوازن.
  6. لا تنسي نفسك أبدًا
    لو تعبتِ… سيتعب كل من حولك. راحتك النفسية ليست رفاهية. هي شرط للاستمرار.

كل ما سبق، سهل؟ لا.
ممكن؟ نعم، بشرط واحد: بيئة داعمة ومتفهمة.

الشعور بالذنب… هل يختفي؟

مهما كانت اختياراتك كأم: دوام كامل، تفرغ، أو حتى عمل جزئي… ستشعرين بالذنب.
د. شهد بافقيه كتبت:
“الشعور بالذنب والتقصير جزء من أمومتي… حيجي مهما كان الحال، لأني في كل الأحوال نفسي أكون أحسن كأم لأولادي.”
لا تقاومي هذا الشعور كثيرًا… فقط لا تسمحي له أن يسرق طاقتك أو يُعيقك عن الاستمتاع بأبنائك.
تقبّليه، ثم اختاري وقتك بعناية، واصنعي معهم ذكريات لا تُنسى

💬 ردود من القلب:

هذه بعض الردود التي وصلتني من متابِعاتي بعد طرح الموضوع، حملت في طيّاتها الصدق، والمشاعر، والتجربة، وهي تستحق أن تُقرأ بعين التأمل والامتنان.

د. إسراء سحاب
اختاري بعناية الأشياء الأهم بالنسبة لكِ، وعلى أساسها خططي ليومك وأسبوعك…
اجعلي من ضمنها متنفسًا بسيطًا مخصصًا لكِ فقط، حتى لو ساعتين أسبوعيًا.
د. شهد بافقيه
المعادلة صعبة والموازنة أصعب، لكننا نحاول ونترفق بأنفسنا…
اكتشفت بعد سنوات أن الشعور بالذنب جزء من الأمومة،
وأن الوقت النوعي أهم من الكمي،
وأن الاعتناء بنفسي يجعلني أقرب للأم التي أطمح أن أكونها.
مشاعل الشاعري
أغلب المشاهير يصنعون نسخة مثالية من حياتهم…
لكن الحقيقة: لا أحد يعيش الكمال، والمقارنة تُرهقنا.
كل أمّ تفعل ما بوسعها، وهذا وحده كافٍ.
لا تضغطي على نفسك، وتذكّري أن الأطفال يتأثرون بأشياء بسيطة:
رسالة صباحية، اتصال، سؤال عن يومهم…
كوني النسخة الأفضل منكِ، لا نسخة من أمٍّ أخرى.
لينة عمر
اقترحت سماع حلقة مميزة للدكتور خالد الجابر:
رابط الحلقة

الخاتمة

لا أحد يملك الوصفة المثالية، ولا توجد طريقة واحدة تُرضي الأم وتُريح الضمير.
لكنكِ إن وضعتِ نيتك لله، وراجعتِ أولوياتك باستمرار، وسألتِ عن الحلول الممكنة داخل حدودك، فأنتِ على الطريق الصحيح.

كل أم تعيش معادلتها الخاصة، لكن ما يجمعنا جميعًا هو التعب… والحب… والرغبة في أن نكون أمهات أفضل.

سامحي نفسك.
اعملي بما تستطيعين.

وكلما ضاق صدرك، تذكّري:
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.