الحرمان الحميد… كيف تقول “لا” بمحبة؟
ولا ضحّكني وضحّك الناس عليّ
مثل كانت تردّده علينا أمي كثيرًا عندما كنا صغارًا نتضجّر من رفضها لتلبية جميع طلباتنا ورغباتنا. وقتها لم يكن يعني لي هذا المثل سوى القسوة، ولم أعرف مغزاه إلا عندما أصبحت أمًا لأول مرة قبل خمسة عشر عامًا.
كأم، أشعر برغبة جامحة بتحقيق كل ما يطلبونه مني. لكني كثيرًا ما أرجّح مصلحتهم على هذه الرغبة، خصوصًا في الأمور التي تمسّ القيم وتؤثّر على مستقبلهم وقد تقلب حياتهم إلى جحيم. مثل: تحمل المسؤولية، تقدير النعمة، معرفة قدر المال، الحفاظ على الصحة، وغيرها الكثير.
التربية بـ“لا” في الوقت المناسب ليست سهلة كما يعتقد الجميع. قول “نعم” أسهل بكثير، خصوصًا في تلك الأوقات التي لا ترغب فيها بخوض الكثير من النقاشات أو إثارة بكاء الطفل.
قبل مدة، اشتكت لي إحدى صديقاتي المقرّبات معاناتها مع طفلها الذي بلغ عامه الحادي عشر، وقالت إنه نادرًا ما يسمع كلمة “لا”، وإنهم بدأوا يعانون كثيرًا بسبب ذلك. فقررت أن أبحث في هذا الموضوع، لأكتب ما قد يعينني وإياها وكل أم أو أب يرغبون بتقديم الأفضل لأطفالهم.
إبراهيم الخليفي: السعادة ليست المتعة
الدكتور إبراهيم الخليفي يفرّق بين المتعة والسعادة بطريقة مؤثرة. يرى أن كثيرًا من الأطفال اليوم محرومون من الحرمان، وهذا التعبير ليس قاسيًا كما يبدو، بل يحمل في طياته حكمة تربوية عميقة.
المشكلة أن الأطفال لا يميزون بين المتعة الآنية والسعادة الحقيقية. كلما زادت الاستجابة الفورية لرغباتهم، زادت المتعة وقلّت السعادة. السبب في ذلك بيولوجي أيضًا؛ فالمتعة يفرز لها الجسم هرمون الدوبامين، بينما السعادة تعتمد على السيروتونين، وهو نفس الهرمون الذي يُحقن به المدمن في بداية علاجه لتقليل أثر الدوبامين. مما يعني أن المتعة والسعادة متضادتان حتى في تركيبتنا الكيميائية.
حين نغرق أطفالنا في الإشباع الفوري، فإننا نمنعهم من تذوق الفرح الحقيقي. هم يشعرون بالملل بسرعة، ويفقدون الدهشة، ويصبح من الصعب إرضاؤهم. بينما الطفل الذي يتعلم تأجيل الإشباع، والتعامل مع “اللا” كجزء طبيعي من الحياة، سيكون أكثر قدرة على تقدير النعم، والاستمتاع بما بين يديه، والفرح بأبسط التفاصيل.
الحرمان الواعي ليس قسوة… بل هو هدية تربوية تثمر لاحقًا في شخصية متزنة وسعيدة.
الفيتامين الذي لا غنى عنه
شاهدت مقطعًا للأخصائي في علم النفس العائلي
John Rosemond، وهذه أهم خلاصاته:
يوجد فيتامين مهم لنمو الأطفال وقد يكون أهم من كل الفيتامينات الأخرى مجتمعة، ولا يمكن تقديمه للطفل إلا عن طريق الوالدين.
اسمه Vitamin N، أي: كلمة No.
في وقتنا الحاضر، يعاني الكثير من الأطفال من نقص هذا الفيتامين. وبخلاف نقص الفيتامينات الأخرى التي لا يدفع ثمنها سوى الطفل وأهله، فإن نقص فيتامين N يدفع ثمنه الجميع، بما فيهم المجتمع بأسره.
وللتوضيح، ذكر “جون” قصة أحد الآباء الذي كان يعطي طفله كل ما يطلبه من ألعاب وأجهزة فقط لأنه يريد أن يسعده. النتيجة:
الطفل لم يكن سعيدًا أبدًا. كان مزاجيًّا، عنيدًا، متطلبًا، نكديًّا، ولا يُبدي أي نوع من التقدير أو الشكر. يعاني في علاقاته مع الآخرين، ولا يتحمّل أقل درجة من الإحباط.
في مثل هذه الحالات، غالبًا ما يعتقد الأهل أن الطفل يعاني من الاكتئاب أو اضطرابات سلوكية، فيتجهون للعلاج النفسي والدوائي.
لكن “جون” يقول إن هذا الطفل لا يحتاج إلى علاج نفسي، بل يحتاج إلى جرعة صحية ومستمرة من فيتامين N.
الحرمان الحميد
إشباع الرغبات المستمر، مع النقص الحاد في قول “لا”، يؤدي إلى نوع من الإدمان.
الطفل يتعلّم أن بإمكانه الحصول على كل شيء من دون مقابل، ولا مجهود، ولا تضحية. ويبدأ في قياس الأشياء بمقاييس مادية فقط.
فهو لم يعمل أو يجتهد أو ينتظر، ومع ذلك حصل على كل ما يريد.
هذا الإشباع الكامل يُلغِي إحساس الطفل بالمسؤولية، ويجعله غير مبالٍ بممتلكاته، لأنه ببساطة يستطيع استبدال أي شيء في أي وقت.
ومن أخطر ما في هذا النمط، أن الطفل يتعلّم أن كل شيء يُشترى، وكل شيء يمكن الحصول عليه، وكل شيء مضمون. وهذا وهم مدمر.
يقول “جون” إن أطفال الخمسينيات والستينيات، الذين نادرًا ما كانوا يحصلون على ما يريدون، كانت صحتهم النفسية أفضل بكثير من أطفال اليوم.
الأطفال المغرقون بالمتعة، والذين لا يُقال لهم “لا”، هم أكثر عرضة للاكتئاب، وضعف التحمل، والانسحاب من الحياة.
الحماية بالتربية… لا بالتدليل
الأطفال يستحقون الأفضل. يستحقون التوجيه والحماية والتأثير، ويستحقون كذلك قدرًا كافيًا من “لا”.
قول “لا” ليس انتقامًا ولا قسوة. إنه وسيلة تربوية فعالة لبناء طفل قوي يعرف معنى الجهد، ويفهم أن البكاء أو الزعل ليس وسيلة للحصول على كل شيء.
هم بحاجة لتعلُّم أن العمل هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ما يريدون، وأن كلما بذلوا جهدًا أكثر، حصلوا على مردود أكبر.
محاولة حمايتهم من أي إحباط تؤدي إلى تنشئة هشة، خائفة، غير ناضجة. وتحرمهم من أهم مهارة في الحياة: التعامل مع الرفض والإحباط بطريقة ناضجة.
القاعدة الذهبية التي وضعها جون روزموند:
أعطِ أطفالك 100٪ مما يحتاجون، و25٪ فقط مما يرغبون به.
وهذا ما يسميه: الحرمان الحميد.
خطوات عملية في التعامل مع رغبات الأطفال وبكاءهم
كثيرًا ما ينهار الأهل أمام بكاء الطفل وصراخه عند الرفض، فيستسلمون للطلب، ثم يشعرون بالذنب لاحقًا. لتجنب هذه الحلقة المتكررة، إليك خطوات عملية تساعدك في التربية بـ”لا” دون قسوة:
- كن واثقًا من قرارك
إذا قررت أن ترفض الطلب، لا تتراجع أمام أول دمعة أو صرخة. ترددك سيُشعر الطفل أن الرفض قابل للتفاوض، وسيزيد من ضغطه عليك. - ابقَ هادئًا تمامًا
لا ترفع صوتك ولا تُظهر انفعالًا. الطفل لا يحتاج غضبك، بل يحتاج صلابتك الهادئة. صمتك أقوى من انفعالك. - كرر رفضك بنفس النبرة
بعبارات قصيرة وواضحة: “لا، لن نشتريه اليوم”، “أفهم رغبتك، لكن لا”. لا تشرح كثيرًا ولا تدخل في جدال طويل. - اعرض بديلًا مقبولًا
“لن تشتري هذه اللعبة اليوم، لكن يمكنك اختيار كتاب تقرأه”، أو “لن تأكل حلوى قبل الغداء، لكن يمكننا أن نحضّر معًا عصيرًا طازجًا”. - ابتعد عنه قليلًا إن استمر في الصراخ
إذا دخل في نوبة غضب، قل له بهدوء: “سأكون قريبًا منك عندما تهدأ”. هذا يعطيه مساحة، ويمنحك أنت قوة مضاعفة. - اجعل التوقعات واضحة من البداية
قبل الخروج للسوق أو الحفلة، حدّد ما هو مسموح وما هو غير مسموح. التهيئة المسبقة تقلل فرص التفاوض في اللحظة الأخيرة. - احتفل بسلوكه الجيد لاحقًا
إذا تجاوب مع الرفض دون صراخ، امدحه: “أعجبتني طريقتك اليوم، كنت ناضجًا وهادئًا”. هذا يعزز السلوك الإيجابي. - ثق أن الألم اللحظي يبني شخصية قوية
تذكّر دائمًا: الصراخ لحظة… والتربية عمر.
قول “لا” في التربية ليس عنادًا ولا قسوة، بل مسؤولية وحب طويل الأمد. كل مرة تصمد فيها أمام دمعة أو صراخ، فأنت تزرع في طفلك وعيًا، وصبرًا، وقدرة على مواجهة الحياة. التربية بالحرمان أحيانًا هي أعظم هدية تقدمها له.
