تعفّن الدماغ: كيف يدمر المحتوى الرقمي عقولنا بصمت؟

تعفّن الدماغ: كيف يدمر المحتوى الرقمي عقولنا بصمت؟

تعفن الدماغ

قبل عدة أشهر، وجدت ابني ذا العشر سنوات يشاهد رسومًا كرتونية غريبة على إحدى قنوات اليوتيوب عبر شاشة التلفاز. سألته عن اسم هذا الكرتون، فقاطعته أخته الكبرى قائلة: “Brain rot… تعفُّن الدماغ”.

تعجّبت من المصطلح، لكنه لم يستوقفني كثيرًا في البداية، وظننته مجرد تعبير عابر كبقية المصطلحات التي تظهر وتختفي في عالم الإنترنت. وبالرغم من القيود الصارمة التي نتبعها في منزلنا تجاه وقت الشاشات ومحتوى البرامج، إلا أن مثل هذا المحتوى بات يظهر دون استئذان، وأصبح شرًا لا بد منه.

لاحقًا، بدأت ألاحظ تكرار المصطلح في منشورات منصة X، فقررت التوقف والبحث عنه بجدية، لمحاولة فهمه.

ما أدهشني هو أن المصطلح ليس حديثًا كما ظننت، بل تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى عام 1854م، حين استخدمه الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو في كتابه الشهير Walden، ليصف به تأثير الأفكار التافهة على العقل، وربط بين انخفاض مستوى التفكير وضمور الذهن، أو ما يشبه “التعفّن العقلي”.

ثم عاد المصطلح للظهور بين عامي 2007 و2010، في وصف الألعاب الإلكترونية والاستخدام العشوائي للإنترنت. لكنه انتشر بشكل واسع بعد جائحة كورونا، حتى اختارته جامعة أكسفورد ليكون “كلمة العام” في 2024، وكتبوه هذه المرة متصلًا: brainrot.

ما هو تعفّن الدماغ؟

Brain rot
هو تدهور تدريجي في القدرات الذهنية والعاطفية للفرد، نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى السريع والتافه الذي لا يقدّم أي تحدٍّ للعقل أو عمق معرفي. أبرز أشكاله: الفيديوهات القصيرة على تيك توك، ريلز إنستغرام، يوتيوب شورتس، وسنابات متكررة بلا مضمون.

هذه المقاطع السريعة تُغرق الدماغ بجرعات متكررة من الدوبامين، فتخلق حالة من الإدمان، وتدرّبه على الانتباه اللحظي فقط، دون قدرة على التركيز الممتد أو معالجة الأفكار المركّبة.

الخطير في الأمر أن هذا النوع من الترفيه يوهمنا بأنه “راحة ذهنية”، أو مهرب خفيف من ضغوط اليوم، لكنه في الحقيقة يضعف أدمغتنا تدريجيًا، ويسرق منا القدرة على:

  • التركيز في مهمة واحدة لفترة كافية
  • الاستغراق في القراءة أو التأمل
  • خوض محادثات عميقة ومتصلة
  • إنجاز مشاريع تحتاج إلى صبر وتفكير متسلسل

مع الوقت، يبدأ الشخص بالشعور بالضيق من القراءة الطويلة، والملل من الاجتماعات، والتوتر من عدم وجود مؤثرات بصرية سريعة حوله.

ماهي مؤشرات تعفّن الدماغ؟

التعرف المبكر على علامات تعفّن الدماغ هو أول خطوة للوقاية. من أبرز المؤشرات:

  • الاستهلاك المكثّف للمقاطع القصيرة: تنقّل متكرر وسريع بين الفيديوهات دون هدف أو وقت محدد
  • نقص التركيز والانتباه: صعوبة في الجلوس مع كتاب، أو إكمال مهمة ذهنية
  • الإجهاد الجسدي المرتبط بالشاشات: صداع، جفاف عين، ألم في الرقبة
  • استخدام مفرط للمصطلحات الدارجة من الإنترنت: خاصةً بين المراهقين والأطفال
  • التخدّر العاطفي بعد وقت طويل من التصفح: شعور بالفراغ أو القلق أو اللامبالاة
  • النسيان المتكرر والتشتّت الذهني: عدم القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات أو إنهاء المهام

هذه المؤشرات ليست بالضرورة مرضية، لكنها تنبيه داخلي بأن الدماغ لم يعد يعمل بكفاءة. وكأن العقل تعوّد على وضعية “الاستقبال السلبي”، ولم يعد يجيد الإنتاج أو التفكير المعمّق.

عندما قررت البحث والكتابة عن هذا الموضوع، تفاجأت بحجم مسببات “عفن الدماغ” وأعراضه الخفية. كنت أظن أنني بعيدة عنه، فأنا لا أشاهد المقاطع القصيرة نهائيًا، وقد أغلقت الإشعارات منذ مدة طويلة. لكني اكتشفت أن مجرد إمساكي بالجهاز والتنقل بين برامج التواصل يرهقني ذهنيًا، ويصيبني بتشتت غريب، وكأن عقلي يرفض الانغماس لكنه لا يقاومه.

هذا الإدراك دفعني للبحث عن حلول حقيقية، بسيطة، قابلة للتطبيق. كتبتها لنفسي أولًا، لأتعلّق بها كلما شعرت بالضعف، ثم وضعتها هنا، لعلها تعين غيري ممن يسير في هذا الطريق دون أن يشعر.

بعض الحلول العملية للتخلص من عفن الدماغ:

  • تخصيص وقت محدد لاستخدام وسائل التواصل، مع منبّه للانتهاء.
  • حذف التطبيقات غير الضرورية، خصوصًا التي تستهلك وقتك بلا فائدة.
  • استخدام التطبيقات بلغة أخرى لتقليل الإدمان (مثلاً: تغيير لغة TikTok إلى الكورية أو الإسبانية لتقليل التعلق).
  • قراءة كتاب ورقي يوميًا ولو لربع ساعة، كتمرين لاستعادة التركيز.
  • المشي بلا سماعات أو ملهيات، والجلوس في الطبيعة ولو لدقائق يوميًا.
  • ممارسة الصمت الواعي: ٥ دقائق يوميًا بلا أي مؤثر، فقط أنت وأنفاسك.
  • استبدال الفيديوهات القصيرة بمحاضرات أو وثائقيات طويلة.
  • كتابة يومية قصيرة بنهاية اليوم (حتى سطرين) لفصل الذهن عن الجهاز.

تعفّن الدماغ عند جيل Z وما بعده

جيل Z (من مواليد 1997 إلى 2012) وجيل ألفا (بعد 2012) وُلدوا في قلب الثورة الرقمية. لم يعرفوا العالم من دون إنترنت أو شاشات ذكية، وهذا يجعلهم أكثر عرضة لتعفّن الدماغ.

من أبرز التحديات التي يواجهونها:

  • انطماس الحدود بين الواقع والافتراض
    العالم الافتراضي أصبح أكثر إغراءً من الواقع، والعلاقات الرقمية غالبًا تطغى على العلاقات الحقيقية.
  • تشويه مفهوم الذات والقبول الاجتماعي
    الفلاتر، عدد المتابعين، واللايكات تبني صورة مزيفة للإنجاز والجمال والنجاح، فتتشوه نظرتهم لذاتهم.
  • ضعف التركيز والتعلم السطحي
    توفر كل شيء بصيغ مختصرة وسريعة يجعلهم أقل قدرة على التفكير العميق، وأقل صبرًا على أي شيء يتطلب جهد ذهني مستمر.
  • الإفراط في التشتت
    تشغيل أكثر من تطبيق في وقت واحد، التنقل بين المنصات بلا هدف، وصعوبة الاستغراق في مهمة واحدة.
  • التأثير العاطفي والنفسي
    ارتفاع القلق، اضطرابات النوم، والشعور المستمر بعدم الكفاية، بسبب المقارنة اليومية مع حياة الآخرين المصطنعة.

جيل كامل بدأ يتشكل دون أن يتعلم الصبر أو الصمت أو التركيز أو الاكتفاء. هذه مهارات أساسية للحياة، ولا تُكتسب في خضم الدوبامين الرقمي المتسارع.

كيف نحمي أطفالنا من الوقوع في هذا الفخ؟

لا نملك كأهالٍ قرارًا بحجم الذي اتخذته أستراليا مؤخرًا حين منعت شبكات التواصل الاجتماعي عن الأطفال تحت سن 16 عامًا. لكننا نملك قرارات صغيرة، تؤثر بعمق.

الخطوة الأولى دائمًا هي التوجه لله:
اللهم إني أستودعك أبنائي وسمعهم وأبصارهم وقلوبهم وألسنتهم وجميع جوارحهم، فاحفظهم بعينك التي لا تنام.

ثم نحتاج إلى خطة واقعية، تختلف حسب العمر:

  • من الولادة حتى 7 سنوات: لا أجهزة شخصية. نختار البرامج بعناية للعرض على شاشة كبيرة وبوجود أحد الوالدين. المهم أن يبقى الطفل متصلًا بالحياة الحقيقية، باللعب والحركة والقصص والاحتكاك.
  • من 7 إلى 12 سنة: إذا اضطررنا لتقديم جهاز مثل الآيباد، فلا يكون فيه برامج تواصل اجتماعي أبدًا. نتحكم بالأوقات والمحتوى، ونشرح لهم بهدوء ووضوح لماذا لا نسمح لهم بمشاهدة كل شيء.
  • فوق 12 سنة: يمكن اقتناء جوال، لكن يبقى دور الأهل مهمًا في تقديم الوعي والإقناع لا المراقبة فقط. نوثق معهم حوارات عميقة عن الأثر النفسي، ونشاهد معهم وثائقيات مثل The Social Dilemma لفتح نقاشات مفتوحة حول خطورة هذه التطبيقات.
  • تخصيص أوقات فراغ بناءة: نشجعهم على هوايات حقيقية، أنشطة يدوية، قراءة، حوارات عائلية، تحديات رياضية، زيارات للأصدقاء… المهم أن يعيش الطفل الحياة الحقيقية بجانب الرقمية.
  • إلغاء الإشعارات وتحديد وقت الشاشة: حتى الكبار بحاجة لهذه الخطوة. التنقل العشوائي بين التطبيقات هو أكثر ما يستهلك الوعي ويفتح باب التعفن. نكون قدوة.
  • مراقبة الأعراض النفسية: طفل متوتر؟ متشتت؟ قليل التركيز؟ متبلد عاطفيًا؟ هذه إشارات مبكرة. لا نغفلها ولا نبررها بالضغط المدرسي أو طبيعة العمر.
  • قراءة الدراسات الحديثة ومشاركتها مع الأبناء: مثل هذه الدراسة التي تربط بين المحتوى القصير وتأثيره على التركيز رابط الدراسة، ودراسة أخرى عن تأثر الدماغ بالتحفيز الرقمي المستمر رابط.

كلما عرف الطفل لماذا تقول “لا”، سيحترم قرارك بدلًا من أن يشعر أنه عقوبة. التربية الواعية لا تحرم، بل تحمي.

في الختام

في زمن تتسابق فيه التطبيقات على خطف انتباهك، يصبح وعيك هو خط الدفاع الأول.

لا أحد محصّن من “تعفّن الدماغ”… حتى الأكثر وعيًا وصرامة في تنظيم وقتهم. لكن كل مرة تنتبه فيها لنفسك، وتتراجع خطوة للخلف، وتغلق جهازك لتقرأ أو تمشي أو تحادث من تحب… فأنت تعيد تشغيل روحك من جديد.

ابدأ بخطوة صغيرة اليوم، خطوة واحدة فقط. وذكّر نفسك:

ما تستهلكه يستهلكك. اختر ما يغذّي عقلك… لا ما ينهشه.

أضف تعليق