الخدمة المجتمعية تبدأ من البيت

في عام ٢٠١٧، حضرت ورشة تدريبية مع الدكتور جاسم المطوع حول تنظيم الوقت للمرأة. من أكثر النقاط التي علِقت في ذهني حديثه عن مراحل الحياة، وكيف أن لكل مرحلة التزامات وأهداف وواجبات مختلفة:
- من طالب،
- إلى شاب بالغ يبني مستقبله المهني والعائلي،
- إلى متقاعد يبحث عن معنى جديد لحياته.
قال حينها إن سن التقاعد (٥٠ عامًا فما فوق) هو المرحلة المثالية للانخراط في الأعمال التطوعية والخدمة المجتمعية. فغالبًا يكون الإنسان في هذا السن قد حقق قدرًا من الاستقرار المالي والعائلي، وأصبح لديه من التجربة والحكمة ما يمكنه من خدمة مجتمعه وتوجيه من حوله.
الفرق بين نظرتنا للمتقاعدين ونظرة المجتمعات الأخرى:
تأملت كثيرًا في هذا الكلام، خصوصًا عند مقارنة واقعنا العربي بما يحدث في دول أخرى.
في الوقت الذي يُنظر فيه للمتقاعد عندنا وكأنه إنسان “انتهت مهمته”، تُعامله بعض المجتمعات المتقدمة على أنه ثروة وطنية.
تُفتح لهم الأبواب في برامج تطوعية تناسب أعمارهم وقدراتهم:
- يساهمون في زراعة الحدائق،
- تنظيم المرور،
- تقديم الاستشارات،
- قيادة جلسات ثقافية،
- إقامة ورش لتعليم المهن أو المهارات التي يتقنونها.
بل وتُقدَّر مشاركتهم أحيانًا بأجور رمزية.
العائد من مشاركتهم لا يُقدّر بثمن.
ليس فقط لأنهم يسدّون فجوة لا يستطيع الشباب ملؤها بسبب انشغالاتهم، بل لأنهم يحافظون على صحتهم النفسية والجسدية من خلال شعورهم بالقيمة والانتماء. وهذا بدوره يخفف الضغط على الأنظمة الصحية ويقلل من مراجعاتهم الطبية.
أثر العطاء على النفس والمرونة النفسية:
في كتابه المرونة النفسية، نقل د. بندر آل جلالة مفهومًا عميقًا أثّر فيني كثيرًا:
مصطلح “نشوة المساعد” الذي استخدمه آلان لكس في كتابه The Healing Power of Doing.
يتحدث فيه عن الشعور العميق بالرضا الذي يختبره الإنسان حين يُقدّم شيئًا ماديًا أو معنويًا للآخرين.
العطاء، سواء بالمال أو بالوقت أو بالعلم أو حتى بخبرة الحياة،
هو من أقوى الوسائل لتعزيز الصحة النفسية.
لأنه يعيد ربط الإنسان بالمعنى، ويخرجه من عزلته، ويمده بقيمة تتجاوز إنجازاته الشخصية.
المجتمعات لا تنهض إلا بأهلها:
تحسين جودة الحياة ليس مشروعًا حكوميًا فقط.
هو مسؤولية مجتمعية تبدأ من كل بيت، وتمتد لكل حي، وتُبنى على أكتاف الأفراد باختلاف أعمارهم.
لا يمكن لمجتمع أن يتطور إن لم يشارك أفراده بأنفسهم في تطويره.
كل جهود الدولة، وكل المشاريع العملاقة، ستظل ناقصة إن لم ينهض الناس معها.
حين ترى كبار السن يزرعون في الحدائق، أو ينظمون المرور، أو يقدمون ورشًا من خبراتهم – فأنت ترى مجتمعات قررت أن تتطور من الداخل، لا من الأعلى فقط.
التطوع ليس خيارًا ثانويًا ولا مجرد ترف، بل ركن أساسي في بناء المجتمعات الحيّة.
والمشاركة لا تحتاج لصلاحيات أو مناصب، بل لنية صادقة وقلب حي.
لكن، هل يمكن لشخص في عمر الخمسين أو الستين أن ينخرط فجأة في الأعمال التطوعية والمجتمعية وهو لم يتعرض لها قط؟
لا يُمكن أن تُزهر روح العطاء فجأة في سن الخمسين، إن لم تُزرع بذرتها مبكرًا.
فثقافة الخدمة المجتمعية لا تبدأ من الجيل الكبير بل من الطفولة.
الطفل الذي يعتاد على أن يكون جزءًا من محيطه، يشعر بمسؤوليته تجاه من حوله، ويتعلم أن العطاء لا يقل أهمية عن النجاح الدراسي أو المهارات الشخصية.
كيف نزرع حب التطوع في أطفالنا؟
الأجيال الجديدة لا تعاني من معضلة الانخراط في المجتمع في الكِبَر فحسب، بل يواجهون منذ الصغر صعوبات في فهم معنى الخدمة المجتمعية، بسبب تغيّر نمط الحياة، وانحسار الروابط الاجتماعية، وانتشار فكر الفردانية.
نحن نشأنا في بيئة تؤمن بأن “الناس للناس”، وكان الإيثار قيمة ملموسة نراها في حياتنا اليومية. لكن أبناءنا اليوم يعيشون في عالم يسوّق فكرة “اهتم بنفسك فقط”، ويمنح الشهرة والاهتمام لأصحاب المحتوى الفردي والنجاح الشخصي دون الحديث عن الدور المجتمعي.
لهذا السبب، أصبح من الضروري تربية الأطفال على حب الخدمة، لا كواجب مدرسي أو ساعات تطوعية تُحتسب، بل كامتداد طبيعي للإيمان والأخلاق والرحمة.
في سناب، سألت متابعاتي: كيف نزرع هذا المفهوم من عمر صغير؟
وصلتني إجابات جميلة، يمكن تلخيصها في هذه الأفكار العملية:
- إشراك الطفل في ترتيب خزانته وتصفية ملابسه الصغيرة لإعطائها لمن يحتاجها.
- مشاركته في إعداد السلال الغذائية وتغليف التوزيعات الخيرية.
- اصطحابه في زيارات ميدانية لحملات الأيتام والأطفال المحتاجين.
- تعليمه سقي النباتات، وإطعام الحيوانات والطيور.
- تشجيعه على السلام على كبار السن، والحديث معهم.
- جعله يشارك في تنظيف البيت أو السيارة كجزء من الانتماء للمنزل.
- غرس الاحترام في تعامله مع عمّال النظافة أو موظفي المحلات.
- تعويده على تقديم الهدايا للضيوف أو المشاركة في إعدادها.
- وقبل كل هذا، تربيته على القيم الإسلامية في الرحمة والإيثار.
قال رسول الله ﷺ:
“مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم، مَثَلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ، تَداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحمَّى”.
هذا الحديث لا يُقال فقط… بل يُمارس.
أن نُعلّم أبناءنا أن ألم غيرهم يعني ألمهم، وأن الخير لا يُحتكر، بل يُشارك.
أن نُعلّمهم أن “الناس للناس”… ليست جملة بل طريقة حياة.
أخيرًا..
الخدمة المجتمعية ليست مرحلة عمرية، ولا مجرد نشاط مدرسي، ولا ترفًا لمن لديه وقت فراغ.
هي قيمة تُزرع في الطفولة، وتنضج في الشباب، وتزهر في الكِبَر.
حين نربّي أبناءنا على العطاء، نحن لا نصنع فقط أفرادًا نُبلّغ بهم رسالتنا… بل نبني مجتمعًا متماسكًا، متراحمًا، يرى كل فرد فيه مسؤوليته لا يقلّ عن دور الدولة ولا المدرسة.
ابدأ من بيتك، علّم أبناءك أن يمدّوا أيديهم لا ليأخذوا فقط، بل ليُعطوا.
اجعلهم يرون في عمال النظافة أبطالًا، وفي الجيران أهلًا، وفي كبار السن كنوزًا.
لأن المجتمعات التي تنهض… تبدأ من تربية طفل واحد يؤمن أن الخير ليس خيارًا، بل واجب.
