كلما كبرت… تغير معنى النجاح

كلما كبرت… تغير معنى النجاح

كلما كبرت تغير معنى النجاح

قبل عدة أيام، شاركتني صديقة عزيزة تساؤلًا أربكني وفتح داخلي أبوابًا كثيرة للتفكر.

قالت إنها، رغم حملها بطفلها الثاني، لا تفكر بأي شيء متعلق بالأمومة، لا تجاه الجنين ولا حتى تجاه طفلها الأول الذي لم يُكمل عامه الثاني بعد. وبعد عدة نقاشات سألتني:

“هل تعتقدين أنه من الطبيعي أن أمكث أربع سنوات دون إنجاز يُذكر (تقصد به الإنجاز المهني والتطور الشخصي)؟”

في تلك اللحظة، لم أملك إجابة جاهزة، لكن السؤال ظل يرن في رأسي طويلًا:
ما هو الإنجاز؟

تذكّرت موقفًا آخر لا يقل دهشة، حين قالت لي سيدة ذات يوم:
“لقد أنجبت أربعة أطفال. انتهى دوري. أنجزت واجبي بمجرد إنجابهم.”

تراكمت هذه الأسئلة والمواقف داخلي، حتى قررت أن أفتح النقاش مع متابعيني. نشرت سؤالًا مباشرًا على سناب:
ما تعريفك للنجاح؟ وما معنى الإنجاز في نظرك؟

وتدفقت الردود…
لم أتوقع هذا التنوع الكبير في الإجابات.

كانت كأن كل واحد منهم يملك تعريفه الخاص، تعريف تشكّل من تجاربه، من تعبه، من لحظات الصمت الطويلة بعد نهاية يوم مليء بالمحاولات.

البعض رأى النجاح في تربية أبناء صالحين.
آخرون وجدوه في العمل الصادق رغم الظروف الصعبة.
وعدد ليس قليل أعاد تعريف الإنجاز من كونه هدفًا كبيرًا… إلى كونه أي فعل بسيط يقرّبنا من أنفسنا أكثر.

بدأت تظهر خيوط مشتركة بينهم. خيط الرضا، والمصالحة مع النفس، والانغماس في كل مرحلة كما هي.

من أكثر الأفكار التي أثرت بي، رسالة صديقة قالت فيها إن النجاح الحقيقي هو أن تفهم نفسك، تمنحها حقها، تراجع يومك بصدق، وتنام وأنت على يقين أنك أديت أدوارك كلها… تجاه نفسك، أهلك، شغلك، وحتى طموحاتك.

أن ترى نفسك اليوم أفضل من نفسك القديمة، حتى لو بواحد بالمئة… فهذا بحد ذاته نجاح.

هذه النظرة العميقة أعادت لي فكرة مهمة:
أن النجاح ليس سباقًا، ولا مقارنات، ولا تتويج خارجي…
هو أقرب إلينا بكثير مما نظن.

هو كيف نعيش يومنا. كيف ننجو من التشتت. كيف نحافظ على اتزاننا وسط الضغوط.
النجاح هو أن نكون في حالة تطور مستمر، ولو كان بطيئًا، لكنه واعٍ ومقصود.

والإنجاز؟

قد يكون ترتيب درج مهمل منذ أشهر، أو اتخاذ قرار صعب كنت تؤجله.
قد يكون مجرد مرورك بيوم ثقيل دون أن تنكسر.

كل ما يساعدك على أن تكون أقرب لذاتك، وأهدأ، وأصفى… هو إنجاز يستحق أن يُذكر.

النجاح رحلة داخلية لا تُقاس بنظرة الناس

النجاح ليس خطًا مستقيمًا، ولا نتيجة واحدة يصفق لها الجميع.

هو شعور داخلي بالرضا، يتفاوت من شخص لآخر، ويتغير حسب المرحلة التي يمر بها.

ما يُعدّ إنجازًا عظيمًا في عمر العشرين، قد يصبح عاديًا في الثلاثين، وقد يعود ليصبح مستحيلًا في الأربعين.

المهم هو أن يقيس الإنسان نجاحه بمعيار داخلي… لا بمعايير الناس، ولا بإعجاباتهم.

بعض الإنجازات لا تُقاس بالحجم أو الضجيج، بل تُقاس بالنية والجهد والتجدد.

أن تبذل قصارى جهدك لتكون أفضل نسخة من نفسك… هذا هو النجاح الحقيقي

لا تقارن مرحلتك بمرحلة غيرك

أحد أكبر الأخطاء التي نقع فيها، هو مقارنة نجاحاتنا بغيرنا، دون أن نأخذ بالحسبان اختلاف الظروف والمرحلة.

أن تقارن أمّ لديها طفلان صغيران بأخرى عزباء متفرغة، ظلم مزدوج:
ظلم لنفسها… وظلم لإنجازاتها التي لا تُرى.

كما أن الإنجازات تحتاج حضورًا طويل الأمد، التزامًا صامتًا، وصبرًا على النتيجة.

ليست قائمة مهام تُنجز وتُنسى (كتلك التي قالت انتهى واجبي بإنجاب أطفالي)، بل دور يستمر ويتعمّق.

كل مرحلة عمرية أو مهنية لها طعمها الخاص، وتحدياتها الخاصة، وإنجازاتها التي لا تتكرر.

من الظلم أن نقيس كل المراحل بنفس المقياس

المجتمع يربكنا… إن لم ننتبه لأنفسنا

الناس يطرحون أسئلة كثيرة:
ليش ما تشتغلين؟ متى الترقية؟ وش سويتِ بحياتك؟

أسئلة لا تأخذ في الاعتبار الظروف، ولا الخلفيات، ولا التغييرات الداخلية التي يمر بها الإنسان.

وكلما استمعنا أكثر لهذا الضجيج، كلما فقدنا بوصلتنا.

لهذا، من المهم أن نحمي تعريفنا الخاص للنجاح، ونجدده باستمرار، ونتصالح مع تغيّر رؤيتنا لأنفسنا.

النجاح لا يكون دائمًا في التقدّم للأمام… أحيانًا يكون في التوقّف قليلًا، أو في الالتفاف إلى الداخل

لا تنتظر النجاح المبهر… ولا النتائج المدوية.

لكل مرحلة نجاحاتها الخاصة، وإنجازاتها المميزة.

المهم هو أن تنغمس في مرحلتك وتستمتع بها بكل ما فيها من تحديات ومعوقات، دون الانشغال بالمستقبل أو الندم على الماضي.

وكلما كبر الإنسان، تغيرت قناعاته تجاه النجاح، وتكوّنت لديه الصورة الكبرى التي أتمنى لكل مقبل على الحياة أن يفهمها ويتعلم منها.

“والله يا منال، زمان كنت أؤمن أن النجاح شهادة، ترقية أو منصب أو غيرها… لكن مع مرور الوقت، أيقنت وآمنت أن النجاح الحقيقي هو راحة البال والرضا. السعة والطمأنينة… حقيقي، النجاح الحقيقي لما تلاقي نفسك مرتاحة وبخير وصحة وبدون ضغوطات نفسية، وأولادك طيبين وأهلك بخير. أما نجاح المنصب والترقية، فهو نجاح مؤقت وليس نجاحًا طويل المدى.”

“للأسف، أحس مراحل كثيرة في حياتي راحت وجريت، وأنا ما استمتعت فيها… كانت واجب وفرض، وجري وراء النجاح وإثبات الذات. لين جرى العمر وكبروا الأولاد في غمضة عين، وأنا فاتني كثير وضاعت أشياء كثيرة. واستوعبنا متأخر إن أهم شيء تستمتعي بالمرحلة، وإنه لا كمال في الحياة، ولتعيش الحياة استمتع بكل مرحلة فيها لأنها لن تعود.”

الغايات الثلاث: حين يعود النجاح إلى معناه الحقيقي

في خضم كل هذا الحديث عن النجاح، جاءتني مشاركتان من روّاد أعمال ناجحين على مستوى العالم. ظننت في البداية أنها ستكون كغيرها من الكلمات المعتادة عن الطموح والتخطيط، لكنهما فتحتا أمامي بابًا مختلفًا… بابًا يعيد تعريف النجاح من جذوره، ويحرّك في القلب سؤالًا قديمًا: لماذا نسعى؟ ولمَن ننجز؟

“تعريف النجاح: تحقيق الهدف المحدد. وإذا كان تعريف النجاح في الدنيا هو تحقيق رضا الله سبحانه… فإذا رضي الله عنك أدخلك الجنة وأرضى عنك الناس.”

وقفت عند هذه العبارة طويلًا. كم مرة خلطنا بين النجاح والقبول؟ بين الإنجاز والحب؟ بين رضا الناس ورضا الله؟

“كلمة النجاح ممكن يكون لها تعاريف كثيرة حسب الإطار اللي تنحط فيه.
لكن لو تكلّمنا بشكل عام، لازم نربط النجاح بالغاية من وجودنا.
غايتنا الأساسية: عمارة الأرض بمشاركة الناس وبناء جيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
فإذا عرفت دورك في الحياة، وصرت تشتغل عليه بصدق، فأنت ناجح حتى لو ما صفق لك أحد.”

ومن هنا، تلخّصت أمامي صورة النجاح الأعمق، التي غالبًا ما نغفلها وسط صخب الحياة:

  • العبادة: أن تنوي الخير، وتؤديه بصدق، حتى وإن كان عملًا دنيويًا.
  • العمارة: أن تبني، تصلح، وتضيف للحياة من حولك، كل يوم.
  • الأثر: أن تترك في القلوب شيئًا لا يُنسى، حتى لو كان صغيرًا، حتى لو لم يُذكر.

هذه الغايات الثلاث لم تُخلق لتكون شعارات… بل بوصلات.
تقيس بها إنجازاتك، وتُقيم بها طريقك، وتُعيد بها ترتيب أولوياتك.

لأن النجاح الذي لا يؤدي لعبادة، أو لا يعمر أرضًا، أو لا يترك أثرًا… قد يكون مجرد جهد ضائع في طريق لا يؤدي إلى شيء.

وأخطر ما نواجهه اليوم هو الرسائل التي تعزز الفردانية الباردة، وتدعو الإنسان لأن يعيش لنفسه فقط، وينجز لنفسه فقط، ويقيس نجاحه بما يملكه لا بما يقدمه.

لكن الحقيقة البسيطة تقول:

نحن لا ننجز فقط لذاتنا.
نحن ننجز لأننا خلفاء في الأرض.
ننجز لأننا جزء من أمة، من أُسرة، من حياة أكبر منا.

وكل خطوة نخطوها، إن كانت في مسار هذه الغايات… فهي نجاح حقيقي، حتى وإن لم يُرَ أو يُحتَفَل به.

أضف تعليق