مابين السطور من لقاء د. مي الجاسر

مابين السطور من لقاء د. مي الجاسر

ردّ على الانتقادات التي وُجِّهت على الجزء الأول من اللقاء

لقاء د. مي الجاسر

لقاء أثّر فيّ جدا، وظللت بعده عدة أيام لا تفارقني مشاهده وأتخيّل أحداثه. لقاء ثري مليء بالأحداث والمواقف، والأهم العِبر والدروس التي تستحق استخراجها من بين سطوره وتدوينها لتكون مرجِعًا لكل من رغب في أخذ دروس في الحياة والاستفادة منها.

عندما قررت الكتابة عن اللقاء واخترت عنوان: مابين السطور من لقاء د. مي الجاسر، تفاجأت بمنشورات على منصة إكس تحمل انتقادات وآراء قاصرة على اللقاء مثل: الجزء الذي قالت فيه إنها انصدمت من التغير الذي طرأ على بساطة الناس فترة الطفرة، فهي — في نظر من انتقدها — تسافر وتعيش حياتها بكل أريحية ثم تنتقد سفر غيرها.

حينها أدركت أني بينما أردت أن أستخرج مابين السطور، يوجد من لم يقرأ السطور أصلًا ولم يفهمها، وهؤلاء محرومون من خير عظيم، ألا وهو القدرة على استخراج الدروس والعِبر من حولهم ورؤية الجمال العظيم الذي يحيط بهم؛ فهم قد اعتادوا تصيّد الأخطاء ونقد الناجحين واستصغار أنفسهم أمام كل مُنجِز.

إن انتقادها للمظاهر والسفر غير الهادف كان صادقًا وليس مجرد تنظير، وظهر ذلك جليًا بتواضعها وبساطة مظهرها ورُقيّها. هي اعتبرت السفر غاية لاكتساب العلم والثقافة وتوسيع المدارك والآفاق، وليس وسيلة للترفيه والتباهي أمام الآخرين.

من المنشورات التي مرّت عليّ كذلك تعليق طويل جدا، يقول كاتبه في المقدمة:

“الحقيقة العارية: هؤلاء لم يكونوا متفوّقين، بل محميّين. لم يصعدوا، بل رُفعوا. لم ينتصروا، بل وُلدوا في المكان الذي لا يُسأل فيه الإنسان عمّا يفعل. اسم العائلة كان جواز المرور، وما عداه تفاصيل”.

فشعرت وكأني سمعت اللقاء بأذن تختلف عن آذان هؤلاء، ووجدت بين سطوره من الحكم ما لم يره غيري، وحمدت ربي أني شاهدت اللقاء فور نزوله بدون أحكام مسبقة أو آراء من أصحاب نظرة قاصرة.

حياة القسوة والحرمان لم تمنع حمد الجاسر من السعي المتواصل لتحقيق طموحه، فشمّر عن ساعديه وتنقّل في أقطار الأرض لطلب العلم ونشره. عانى في طفولته من ضعف وهزال جسدي، فقر وعازة، فقد أمه في عمر صغير، وقاسى آلام اليُتم ثم فقد إحدى حبيبتيه (عينه). وبالرغم من كل ذلك لم يجعل اليأس والألم يتسرّبان إليه ويهزمانه.

لم يثنه ألمه ولا قلّة حيلته عن أن يكوّن أسرة، فوفّقه الله تعالى لتلك التي تكون نورًا لطريقه وخير رفيقة لرحلته “هيلة العنقري”.

هل من انتقد سفرهم جرّب ما تعنيه الغربة؟ هل تجرّع من كأس الألم والبعد والشوق والحنين؟ هل يعلم هؤلاء ماذا يعني أن تكون غريبًا في بلدان لا تراك موجودًا على وجه الأرض، فأنت مجرد “بدوي” محظوظ بوجود “البترول”؟

هل يعلم أحدهم ماذا يعني أن تُطلَق عليك الأحكام والألقاب في وطنك، ويقال عليك “زنديق” و“كافر”، فتَنْفُذ بجلدك لتستعيد نفسك وترتّب أوراقك وتصنع تاريخًا عظيمًا وتترك إرثًا لا يُقدَّر بثمن، وأنت بعيد عن أرضك يعتصرك الحنين إليها ويؤلمك أصابع الاتهام فيها؟

الكلام سهل جدا، والانتقاد أسهل، لكن في الواقع قليل من الشجعان من يتصدّى لكل هذا ويقاومه ببناء نفسه وأهله، بل ويترك مثل الإرث الذي تركه حمد الجاسر.

لم يرَ هؤلاء الناقدون (الحاقدون) أن هذه المرأة التي تتكلم أمامهم بفصاحة وطلاقة وبزيّ سعودي محتشم؛ تربّت ودرست وعاشت معظم سنين طفولتها وشبابها في الخارج، وأنها لم تدرس المواد باللغة العربية، ومع ذلك لم تنسلخ في لبسها ولسانها ولم تنطق كلمة واحدة بغير اللغة العربية، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن هناك أهلًا (أمًّا وأبًا) ربّوها وعلّموها ولم يقوموا بإهمالها في سفرهم “الممتع” في نظر الناقدين. وأي متعة في التربية والتوجيه في الغربة؟

أجزم أنهم لم يسمعوها حين تحدّثت عن لبسها كعضو هيئة تدريس بالجامعة، وأن برأيها لكل مكان اللبس الذي يليق به.

كما صمّوا وعمُوا عن تقديرها لقيمة الزواج والعائلة في عمر صغير وهي على مقاعد الدراسة ولم تنتظر “تحقيق ذاتها”.

لم يروا كذلك أنها عندما قررت العودة للوطن بعد زواجها تخلّت عن حلمها في المسار الطبي والتزمت بالمسار التعليمي لأنه الوحيد الذي كان متوفرًا للمرأة آنذاك، ولم تتذمّر ولم تتكبّر وترفض العودة، بل على العكس جهّزت نفسها وسلّحتها بالعلم في مجالين مختلفين تمامًا مع دبلوم تربوي حتى تضمن قبولها في سلك التعليم لتردّ الدين لوطنها الذي آمن بها وأكرمها.

الوطنية ليست شعارات تُقال بل هي أفعال تُطبّق ويراها الجميع.

وأما أولئك الذين انتقدوا لقاءها بزوجها واختيارها له فلن أقول لهم إلا: موتوا بغيظكم.

أضف تعليق