مسمار جحا لا يصنع نجاحًا

مسمار جحا لا يصنع نجاحًا

قبل مدة؛ بالتحديد فترة الاختبارات النهائية، عادت ابنتي في أحد الأيام مستاءة جدًا من اختبار ذلك اليوم، وظلّت تشتكي من صعوبته وعمق الأسئلة فيه.

سألتها ما إذا كانت قد استذكرت الدروس جيدًا، إلا أن ردّها كان يصبّ اللوم على المعلمة التي لا تشرح، وعن الأيام التي اضطرت هي فيها للغياب ولم تتمكن من فهم دروسها.

قلت لها: اليوم أنتم في عصر ذهبي، وجميع المصادر والشروحات متوفرة (مجّانًا) على شبكة الإنترنت بالصوت والصورة.

قالت: ولكن كل درس بحاجة إلى ساعة على الأقل لمشاهدته كاملًا.

وافقتها تمامًا في رأيها، ولكني أخبرتها أن هذا الجهد الذي يُبذل، والوقت الذي يُقضى، هو ما يصنع الفرق في النتيجة.

وأن من ليس لديه استعداد لبذل هذا الجهد والوقت، يجب أن يتقبّل أي نتيجة مهما كانت، وألّا يتوقع النتائج المبهرة.

كما أن الشخص الذي بذل جهدًا ولم يحصل على النتيجة المرغوبة، في الغالب يتقبّل الأمر بصدر رحب ورضا كبير عن النفس، لأن الإنسان يُؤجر على السعي لا على النتيجة.

ذكرت لها تجربتي الشخصية (والتي دومًا تحضرني) عندما كنت في السنة الأخيرة من الثانوية العامة (وكانت الأسئلة وزارية تلك الأيام)؛ ذهبت لوالدي طالبة منه توفير معلمات خصوصيات لأهم ثلاث مواد كانت معلماتها يفتقرن القدرة على الشرح، وأخبرته أن جميع صديقاتي قمن بالذهاب لمعلمات خصوصيات لسدّ الفجوة العظيمة التي نعاني منها.

لن أنسى رده في تلك اللحظة، قال: نجاحك لكِ وحدك، ويجب أن تبذلي الجهد اللازم للحصول عليه.

ووافق فقط على زيارة معلمة خصوصية لمادة الرياضيات مرة واحدة بالأسبوع، تقوم فيها بجمع دروس الأسبوع كاملة وشرحها في وقت مضغوط جدًا.

أما مادتا الكيمياء والفيزياء، فاستعنت بكتب التقوية التي كانت متوفرة وقتها، لأقوم بكل جهدي لفهمها بنفسي وبدون أدنى مساعدة، فلم تتوفر يومها مقاطع الفيديو وقنوات اليوتيوب.

مرت عليّ أيام كثيرة تساءلت فيها عن سر هذا التصرف، ولكني اليوم ممتنة له جدًا، لأنه لو لم أتعلّم في تلك اللحظة مسؤوليتي التامة عن نجاحي، ولم تتطور مهارتي في الصبر والمكوث وقتًا طويلًا في محاولة فك رموز هذه المواد الصعبة وحل مسائلها، لما تمكنت بعدها من الصبر على أي عائق مرّ عليّ خلال العشرين سنة الماضية.

الحياة ليست كاملة، والظروف ليست دومًا ميسّرة، ولا يوجد شخص على وجه الأرض كانت طريقه مفروشة بالورود؛ فلابد من وجود الأشواك والعقبات والمشاكل.

والسعيد من يقوم بتمرين عضلة حلّ المشكلات لديه، ويحاول تطويع كل التحديات.

إن النفس البشرية تتوق لإيجاد الأعذار والأسباب التي تقف عائقًا أمامه، وتحول بينه وبين تقدّمه، وهذه الأعذار تعطي راحة “مؤقتة” وتزيح تأنيب الضمير ومحاسبة النفس جانبًا.

فلكل نتيجة غير مرضية سبب خارج عن إرادتي:

• لم أنجح في الدراسة لأن المعلم/ـة غير جيد

• لم أترقَّ في الوظيفة لأن المدير غير منصف

• لم أحصل على التعليم الذي أرغب فيه لأني لم أحصل على فرصة ابتعاث

وهكذا…

وفي الغالب، هؤلاء ينظرون للناجحين على أنهم أشخاص محظوظون، ساعدتهم الظروف ولاحقتهم الفرص، ولا يمكن إقناعهم بكمية الجهد والتعب الذي بذله هؤلاء للحصول على ما يتمنون.

لا أنسى لقاء حضرته لأحد أطباء الجامعة وأنا لازلت في مقاعد الدراسة لدرجة البكالوريوس، وكان قد حصل على درجة الأستاذية من مدة طويلة.

يقول: إنه حصل على منحة للابتعاث لدراسة الطب في مصر بعد تخرجه من الثانوية فترة الستينات الميلادية، وتفاجأ وقتها بحجم المصادر الدراسية باللغة الإنجليزية، وهو الذي لا يفقه كلمة إنجليزية واحدة، فكان يقضي نهاره على مقاعد الدراسة، وليله عاكفًا على قواميس الترجمة الكبيرة.

ولست بحاجة لذكر أنه لم يكن متوفر وقتها القواميس الإلكترونية.

لم تكن اللغة العائق الوحيد الذي واجهه، بل كان يواجه عائقًا أشد وأعتى، وكان كفيلًا بأن يدفعه للاستسلام والعودة لأحضان الوطن، حيث كان أستاذه يذكره دومًا بقصوره ويراهن على فشله.

إلا أنه تحدّى نفسه وصمّم على العودة حاملًا وسام الشرف على صدره، فكان له ما تمنى، وكان من مؤسسي كلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز.

كما لا أنسى إصرار خالي (يرحمه الله) لإكمال دراسته والحصول على الشهادة، بالرغم من تعثّره الذي امتد لسنوات بسبب انفصال والديه، وانتقاله للسكن مع عدة أشخاص من أهله، حتى أنه اتخذ بيت الدرج مكتبًا له.

كانت جميع الظروف حوله تسمح له باتخاذ الكثير من الأعذار، ومع ذلك تخطّى الصعاب، وقرّر عدم الاستسلام حتى حصل على الشهادة وتدرج في الوظائف حتى وصل إلى إدارة الموارد البشرية في الخطوط السعودية.

أما الشهير كريستيانو رونالدو، فقد عاش طفولة بائسة وفقرًا مدقعًا، في غرفة واحدة مع أشقائه الثلاثة، ولم يكن أهله قادرين حتى على شراء كرة له ليتدرب بها، ومع ذلك كان يستخدم الخرق والعلب الفارغة ليلعب فيها، إلى أن تم تبنّيه من قِبَل أحد النوادي وهو في الثانية عشرة من عمره، ليتحوّل من مجرد ابن خادمة إلى أعظم وأشهر لاعب كرة على مستوى العالم.

الحياة يوجد بها الكثير من العقبات والمصاعب، والسعيد فقط من يتجاوزها باجتهاده وإصراره، بعد توفيق الله له.
“الناجح لا يعلّق إخفاقه على مسمار جحا… بل ينتزع المسمار ويمضي”

قد يرى البعض أن هذا الرأي يتناقض مع كلامي الأخير في البودكاست الذي ظهرت فيه وقلت: إن الحياة علمتني أن لا أصر على طرق بابٍ واحد حتى يكسرني أو أكسره، فإن أغلق باب توجهت لثانٍ وثالث.

وقد يُفسر كلامي على أنه استسلام وعدم إصرار واستمرارية.

كان ردي هذا على سؤال معيّن في حالة معيّنة تتعلق بظروف قوية خارجة عن قدرة الإنسان وسيطرته، حيث كان سؤال المحاور: هل المرض يعرقل المسيرة المهنية؟

فالمرض (وغيره من الظروف القهرية) لا يمكن بأي حال من الأحوال السيطرة على الظروف المحيطة به، ومن الأفضل للإنسان تقبّله وطرق أبواب أخرى، واكتشاف جوانب جديدة في نفسه ومحيطه بما يتناسب مع ظروفه الجديدة.

إن خلق الأعذار، أو كما يُقال في المثل: مسمار جحا، ليس من صفات الساعين في الأرض لإعمارها، ولا الراغبين في ترك أثر يبقى عليها،

والإنسان المؤمن برسالته يسعى حثيثًا لانتزاع كل مسمار يُطرَق في طريقه، ويمضي بكل ثقة وتوكل على الله.

وقد تناولت هذه الفكرة وغيرها من محاور المقال في لقائي الأخير ضمن بودكاست “كتب”، حين شاركت جزءًا من رحلتي الشخصية وتجربتي الطويلة مع الألم والتحديات، وتحدثت عن كتابي الذي وثّقت فيه ملامح التغيير ومسارات النضج التي مررت بها.
رابط اللقاء:



أضف تعليق