يقول الشاعر:
ما بين غَمضةِ عَينٍ وانتباهتها
يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ
قد جرت حكمة الله في الناس أن تتغير أحوالهم وتتبدل، وأن لا يبقى أحد على حال واحد.
وهذا التغير إما أن يكون بشكل تدريجي فتتقبله النفس البشرية وترضى به، وإما أن يكون بشكل مفاجئ، وصورة غير متوقعة نهائيًا، فيكون له وقع شديد على النفس، قد يسبب اختلالًا لها وللعقل.
لذلك تهيئة الإنسان نفسه لأي طارئ وتقويتها أمر مهم جدًا لتجاوز الأزمات بحول الله وقوته.
اطّلعت مؤخرًا على بحث بعنوان (كيفية مواجهة الصدمات النفسية من خلال تدبر قصة مريم عليها السلام) للدكتورة فوزية الخليفي؛ أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة الأميرة نورة.
كتبت فيه عدة خطوات لمواجهة الصدمات استخرجتها من قصة مريم ابنة عمران.
أولًا ما هي الصدمة؟
بالنسبة للتعريف الاصطلاحي كما كتبته الباحثة:
وقد تكون الصدمة خفيفة تُذهل الإنسان وتفصله عن واقعه لمدة بسيطة إلى أن يتم استيعاب الأمر والعودة لاستئناف الحياة، أو تكون قوية بحيث يصعب على الشخص العودة لحياته الطبيعية، وقد يصاب باضطرابات نفسية.
الصدمات لها آثار قوية، سواء كانت عضوية (ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، الدوار… إلخ)، أو انفعالية (الغضب، الحزن، الاكتئاب…)، أو عقلية (خلل في الوظائف العقلية مثل الذاكرة واتخاذ القرارات والتركيز…)، أو سلوكية (اضطرابات النوم والأكل والعلاقات…).
إن التعرض للصدمات بدون علاجها، وبدون معرفة للتعامل معها، يسبب خللًا في توازن الإنسان، وقد يعاني منها طوال العمر؛ لأنها أكبر وأعظم من أي قدراته وحدود خبراته.
إذن ما هي خطوات مواجهة الصدمات النفسية من قصة مريم عليها السلام؟
الخطوة الأولى: الاستسلام لقضاء الله وقدره
إن الإيمان بقضاء الله وقدره هو أحد مراتب الإيمان الستة التي يجب على المسلم أن يذكر نفسه به ويستحضره في جميع أحواله وأحداث يومه، سواء كانت صغيرة أو كبيرة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: (واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ).
ومريم عليها السلام حين أخبرها جبريل عليه السلام بأمر حملها، وأنه أمر الله عز وجل، استسلمت ورضيت ولم تجادل، بل تقبلت الأمر وعلمت أنه خير لها.
الخطوة الثانية: العزلة المؤقتة
إن الابتعاد قليلًا وقت نزول الابتلاء وعند حدوث الصدمة يساعد الشخص على استيعاب الأحداث بعيدًا عن المؤثرات والاقتراحات والنصائح والتوجيهات، والأهم من ذلك بعيدًا عن الفضول والكلام المؤذي؛ فهو بحاجة للهدوء الذي يخمد الضجيج المتأجج في داخله.
لكن لا بد من الانتباه أن لا تطول العزلة حتى لا تفتح للشيطان بابًا، وأن اللجوء لشخص حكيم أو مختص أو مر بتجربة مماثلة قد يساعد كثيرًا.
الخطوة الثالثة: الصبر
الصبر أمر مهم في جميع الخطوات، من أولها لآخرها.
ومن لم يستطع تمالك نفسه في أول المصيبة، لا بد أن يعلم أن الصبر والرجوع لله والتضرع له يقفل جميع أبواب الشيطان ويسدّها، ويفتح له أبواب الطمأنينة والسكينة.
مريم عليها السلام الطاهرة العفيفة صبرت على القذف والطعن، وليس أصعب على المرأة الشريفة من الاتهام في شرفها.
الخطوة الرابعة: الخروج من دائرة الحزن
انقطعت مريم عن الناس ودخلت في حالة ولادة بلا سند ولا مساعدة ولا يد عون، ولكن الله أخرجها من حزنها وقال لها: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي).
الاستسلام للحزن يفتح للشيطان بابًا عظيمًا يدخل منه، فيشغل الإنسان عن أمور دينه ودنياه. فلا بد للحصيف أن لا يستسلم للحزن، وأن يخرج من هذه الفقاعة فيخالط من يحب ويمارس الأنشطة التي تعينه من رياضات وهوايات وغيرها من الأمور.
الخطوة الخامسة: استحضار نعم الله التي لا تعد ولا تحصى وتذكّرها
إن شكر الله على نعمه وتعدادها يجعل الإنسان يتقبل المصيبة ويرى الجانب الإيجابي منها.
الخطوة السادسة: الحفاظ على القوة وعدم الاستسلام
أمرها بالحركة وهي في قمة ضعفها وألمها وانكسارها، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الحركة والنشاط البدني يخلصان الجسم من التوتر والقلق، ويرفعان مستويات الطاقة، ويزيدان من إفراز هرمون السعادة.
الخطوة السابعة: استدراك الآثار سريعًا
تتلخص آثار الصدمات في جانبين: الجسدي والنفسي. الجسدي مثل الامتناع عن الأكل وفقدان الشهية، والنفسي مثل الحزن والألم.
أمرها بالاهتمام بغذائها وشرابها وعدم الامتناع عنهما للحفاظ على صحتها الجسدية، ثم قال لها اطمئني وطيبي نفسًا وكوني سعيدة.
الخطوة الثامنة: الصمت وتفويض الأمر لله
إن استرجاع المصيبة واستحضارها بشكل متكرر يعيد الإنسان في دائرة الألم، فتخور قواه وينفد صبره، خصوصًا عند مجادلة السفهاء وحديثي العهد بالجروح. الصمت يجعل الإنسان يعيش في سلام داخلي، ويعطيه مساحة للنظر في المستقبل والتخطيط له.
الخطوة التاسعة: الإيمان بأن اليسر قادم والفرج مقبل بإذن الله
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
مريم التي طُعنت في شرفها وواجهت الابتلاء وحيدة، رزقها الله بنبي له من المعجزات ما لم يُعطَ أحد قبله، كما رفع جل وعلا ذكرها وأعلى شأنها وأظهر براءتها.
هذه خلاصة لخطوات مواجهة الصدمات كما استخرجتها الدكتورة فوزية من سورة مريم، ولا ننسى أن القرآن والسنة زاخران بعلاجات كثيرة لها دور عظيم في مواجهة الصدمات والمصائب، مثل:
• الإكثار من الذكر
• الاستعانة بالصبر والصلاة
• الإكثار من الاسترجاع (إنا لله وإنا إليه راجعون)
• الإكثار من الصدقات
• اليقين بأن المصيبة كفارة للذنوب، قال رسول الله ﷺ: “مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا”.
• الاستعانة بالدعاء (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
