العلاقات الاجتماعية: الاستثمار الذي يطيل العمر ويحمي الدماغ

العلاقات الاجتماعية: الاستثمار الذي يطيل العمر ويحمي الدماغ

العلاقات الاجتماعية

اليوم عندما نتصفح برامج التواصل الاجتماعي، نجد الكثير من الرسائل (الصريحة أو المبطنة) التي تدعو إلى العزلة وتحث عليها، وأصبح مصطلح (اعتزل ما يؤذيك) شائعاً للحد الذي دفع الكثير لتفضيل الوحدة على الاختلاط بالناس.

في دراسة مثيرة قامت بها هارفرد على ٧٢٤ شخصاً لمدة ٨٨ عاماً (بدأت من عام ١٩٣٨ ولا تزال مستمرة إلى اليوم) قابلوا فيها الأشخاص وتابعوا ملفاتهم الصحية وأوضاعهم المادية والاجتماعية لمعرفة سر السعادة والصحة.

يقول روبرت والدينجر (المدير الحالي لهذه الدراسة التاريخية):

“الدروس التي تعلمناها ليست مرتبطة بالثراء أو الشهرة أو الاجتهاد في العمل الشاق.. الرسالة الأوضح التي حصلنا عليها من هذه الدراسة هي: أن العلاقات الجيدة تبقينا أكثر سعادة وأكثر صحة.”

كما أنهم وجدوا أن الأشخاص الذين كانوا راضين عن علاقاتهم في سن الـ 50 هم الأكثر صحة في الـ 80.

بالإضافة لذلك ذكر روبرت ثلاثة دروس كبرى:

  • التواصل الاجتماعي مفيد جداً: العزلة قاتلة وتؤدي لتدهور الصحة مبكراً.
  • الكيف لا الكم: ليست العبرة بعدد الأصدقاء، بل بجودة وعمق هذه العلاقات.
  • العلاقات تحمي العقول: الأشخاص في علاقات آمنة وداعمة تبقى ذاكرتهم حديدية لفترة أطول.

لذلك وجودنا في مجتمعات (صحية) مهم جداً لتحسين الصحة وجودة الحياة.

العلاقات الاجتماعية وتكوينها فن عظيم بحاجة لمرونة وصبر وفهم عميق لأنماط الناس وطرق تفكيرهم، كما أنه بإمكاننا أن نعتبرها مثل البنوك؛ كلما استثمرت فيها أكثر كلما كان العائد أكبر.

ولكن؛ اليوم ومع سرعة الحياة وابتعاد الكثير منا عن أهله ومحيطه ودائرته الاجتماعية القريبة التي قضى سنوات طويلة في إنشائها والاستثمار فيها؛ صار من الضروري الحديث عن أهمية العلاقات الاجتماعية ومردودها على الصحة حتى لا يتم إهمالها وتفضيل العزلة على محاولة تكوين مجتمعات جديدة.

عندما شاركتُ الدراسة على حسابي في سناب شات وطلبتُ من المتابعين مشاركتي آراءهم، وصلني رد مؤلم من صديقة مغتربة عن أهلها في مدينة أخرى تقول فيه: أن تكوين العلاقات في الكبر صعب جداً وأن تقبل الناس لأشخاص جدد في حياتهم أصعب. كما تقول: إن الأهل هم من يضيفون للحياة طعماً ومعنى.

قبل الرد عليها كان لا بد أن أقوم بتوضيح قاعدة أساسية في العلاقات اتّبعتُها منذ عدة سنوات ومنذ ذلك الوقت تحسنت علاقاتي بشكل ملحوظ بل زادت وتعمقت في كثير من الأحيان.

قلت لها: إنه لابد من تصنيف كل شخص في حياتنا تحت ثلاثة تصنيفات رئيسية:

  • رفيق يعين على الدين
  • رفيق يعين على الدنيا (بماله أو جاهه أو حتى خفة ظله)
  • ورفيق يكون للنفس بمنزلة الروح

وأن مشكلتنا الرئيسية هي أننا نرغب في الحصول على صديق شامل لكل التصنيفات؛ قريب من الروح ويعين على الدين والدنيا. وهذا قد يكون ممكناً ولكنه نادر جداً ويكاد يكون مستحيلاً؛ لأننا لا نستطيع أن نطلب من رفيق الدنيا والأنس أن يسندنا وقت الضعف، ولا من رفيق الدين أن يرافقنا في أمورنا اليومية، أما رفيق الروح فهو عملة نادرة جداً ومن الصعب أن نجده في كل مكان وزمان.

بالعودة لرسالة صديقتي المغتربة: أخبرتها أن ما تعاني منه يعاني منه جميع المغتربين حول العالم، كما أني أتفق معها بقوة على صعوبة تكوين العلاقات في الكبر.

وهنا تكمن أهمية تصنيف الأشخاص ووضعهم في أماكنهم الصحيحة (مع خفض سقف التوقعات ووضع الحدود والتخلي عن كل ما يخرب العلاقة من لوم أو عتاب)، لضمان الحفاظ على الأشخاص والعلاقات الاجتماعية فنحن في جميع الأحوال (سواء كنا مغتربين أو غير مغتربين) بحاجة إلى وجود أشخاص ومجتمعات من حولنا نتشارك معهم اهتمامات أو هوايات أو حتى تسلية وترفيه.

وأضفتُ بأني أتفق معها كذلك بأن تقبل الناس للعلاقات الجديدة صعب كذلك (خصوصاً بعد الجائحة ومواقع التواصل الاجتماعي) لكن هذا لا يمنع من المحاولة في إيجاد مجتمعات وتكوين علاقات.

الحرص على تكوين العلاقات من خلال حضور الفعاليات والمؤتمرات والذهاب للنوادي أو المعاهد أو التعرف على أهالي أصدقاء الأبناء (إن وجد) مع ابتسامة وسلام وتبادل للأرقام قد يساعد كثيراً في إيجاد مجتمعات مناسبة.

قلت لها كذلك أني أتفهم روعة الأيام وجمالها في تواجد الأهل ولكن بالرغم من الاكتفاء الاجتماعي الذي قد يحصل عليه أي شخص بتواجد عائلته، فإنه يوجد العديد من الجوانب الحياتية المهمة التي لا يمكن للأهل تغطيتها خصوصاً تلك الجوانب المتعلقة بالهوايات والاهتمامات.

كما أنه في كثير من الأحيان يحتاج أي أحد منا إلى وجود أشخاص من خارج محيطه العائلي لاستشارته أو إخباره بأمور يصعب إخبارها لأحد أفراد العائلة.

نشر الدكتور أسامة الجامع تغريدة يقول فيها :

“دراسات نفسية عديدة تحدثت أن الجلوس مع الأصدقاء الجيدين يقي مخاطر الاكتئاب والقلق، وأن الأشخاص الذين ليس لديهم أصدقاء يواجهون خطر الوفاة المبكرة بالضعف مقارنة بغيرهم ممن لديهم أصدقاء”.

كان من أحد الردود الملفتة على سناب شات هو رد إحدى الأخوات وهي مغتربة في المنطقة الشرقية لأكثر من ١٥ عاماً، تقول فيه: عشت في كابوس لعشر سنوات لدرجة أني ظننت أني أعاني من اكتئاب إلى أن انتقلت إلى الحي الجديد الذي به جارات مترابطات وحدائق نلتقي فيها. حينها انحلت ٩٠٪؜ من مشاكلي وتحسنت نفسيتي وحصل أبنائي وزوجي على اهتمام أكبر.

تقول؛ المرأة كائن يحب الثرثرة ولابد أن تحصل على وقت منتظم للكلام (ولا يعني هذا بالضرورة التنفيس عن هموم أو مشاكل) كما تتمنى لو أن كل امرأة تحصل على مجتمع يحاكي هواياتها ومواهبها ويدفعها للاستمرار في ممارسة هذه الهواية.

أقول لها: جميعنا نتمنى ذلك، ولذلك أطلقنا أنا وزميلتي د. سمر البازي منصة سَعْدة التي تهدف بالمقام الأول لجمع أكبر عدد من المجتمعات النسائية في مكان واحد يسهل الوصول إليه. ترقبوا نشرتنا الأولى بعد مدة بسيطة بإذن الله.

ما هو تصنيفكم للأشخاص الذين أحدثوا فارقاً في جودة حياتكم مؤخراً؟ وهل وجدتم “الصديق الشامل” أم أنكم تؤيدون قاعدة التصنيف الثلاثية؟
شاركوني أرائكم في التعليقات.

مجتمع سَعْدة

لأننا نؤمن بأن المجتمع الصحي هو ركيزة السعادة وجزء أساسي من جودة حياتكِ، ندعوكِ لتكوني جزءاً من عالمنا في “سعدة”، حيث نجمع لكِ المجتمعات النسائية التي تشبهكِ وتلهمكِ.

🔗
رابط الموقع الرسمي:

📮
للاشتراك في نشرة سَعْدة:

أضف تعليق