عندما يقوم المشهور بالاختطاف… هل نكتفي بالمشاهدة؟
انتشرت في الآونة الأخيرة أخبار عن اختطاف عدد من المشهورات لزميلة لهن، وتصويرها بأوضاع غير لائقة بهدف تهديدها وابتزازها.
في البداية، لم يلفتني الخبر. لم ألقِ له بالًا، فحوادث مثل هذه واردة في كل مكان وزمان.
لكن ما إن ظهرت الأسماء، حتى شعرت بالخطر.
الخطر ليس في الحادثة ذاتها، بل في الخلفية التي جاءت منها:
هؤلاء الأسماء – إن صحّت – تم تصديرهن في الإعلام، وتقديمهن في برامج محلية، واستضافتهن على الشاشات، وتم تصويرهن كمؤثرات ومُلهمات. وهذا يعني ضمنًا أنهن قدوة للأطفال، خاصة عندما يُقابلن باحترام المجتمع وتكريم الجهات.
تذكرت طفولتي. وقتها، بدأت بعض البرامج تروّج للتافهين وتصدرهم للساحة، وتُظهر مشاهد من السكن المختلط والحديث الماجن.
لكن المجتمع كان وقتها حيًّا، رافضًا، صلبًا. الموجة كانت مرفوضة تمامًا. حتى نحن كأطفال، نشأنا على نوع من الازدراء لهؤلاء، ورفض شديد لتقليدهم.
كانت البرامج التلفزيونية وقتها تُحافظ على القيم والعادات. تُصدر المثقفين والمفكرين والعلماء. وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، بل عامل مهم في التربية والتشكيل الاجتماعي، ولمسته شخصيًا خلال فترة إقامتي في كوريا.
كتبت عن هذا التأثير في كتابي القادم بإذن الله “٤٨٥ يومًا في سيئول”، تحت عنوان “البرامج الكورية”.
ولست هنا بصدد إعادة ما كتبته هناك، لكنني أرى أن طرح المشكلة أصبح ضرورة، وعلينا نقاش أسبابها وتقديم حلول واقعية تعين المربين على مواجهتها.
طرحت سؤالًا على سنابي، وجاءني رد من الإعلامي عبدالله العيدي:
“السبب برأيي أن السوشال ميديا في السعودية محتكرة مثل أي بزنس، وتم توجيهها مبكرًا لتكون منابر إعلانية فقط، وليست منابر توعوية.
هناك قروبات دعم برواتب فقط، يدعمون للوصول للمعلنين.
وأي محتوى جاد يُصنّف أنه غير مجدٍ.”
بعدها وصلني مقطع فيديو مقتصّ من مقابلة تلفزيونية – لم أتمكن من معرفة تفاصيلها – لكن المحتوى كان صادمًا وخطيرًا. الضيف يقول:
“هناك شركات تدفع مبالغ مالية ورواتب شهرية لبعض المشاهير السعوديين – أو من يدّعي أنه سعودي – مقابل نشر محتوى مسيء للسعودية.
والهدف أن تخدم هذه الجهات من يحارب المملكة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
لأن: إذا انحلّ المجتمع، انحلّ كل شيء.”
كلام واضح وخطير، ولا يحتاج إلى شرح.
نحن الآن نعرف أن هناك جهات تستثمر في تفكيك القيم، وتعمل على تصدير النماذج الخطأ لأطفالنا. وهذا يُضاعف من مسؤوليتنا كمربين، ويجعل القدوة الصحيحة عملًا مقصودًا لا عفويًا.
فماذا نفعل؟
كيف نحمي أبناءنا من تصدير القدوات الزائفة؟
نحن لا نملك السيطرة على ما يُعرض في المنصات، لكننا نملك مفاتيح التأثير داخل بيوتنا. الحماية الحقيقية تبدأ من الداخل، وتمر عبر أدوار متكاملة بين البيت، والمدرسة، والمجتمع.
- نبدأ بأنفسنا: لا نتابع التافهين. لا نروّج لهم. لا نجعلهم محور حديث مجالسنا.
- نقضي أوقاتًا نوعية مع أطفالنا: لنصرفهم عن الإدمان الرقمي.
- نُشركهم في برامج تنموية وأنشطة حقيقية: تطوّر مهاراتهم وتصقلهم.
- نسمع لهم بصدق: نعرف همومهم ومشكلاتهم اليومية.
- نراقب أصدقاءهم والمحيطين بهم: بدون تجسس لكن بحكمة.
- نفتح المواضيع الصعبة معهم ونتحاور: نزرع القيم والإيمان الصحيح.
- ننمي عندهم التفكير النقدي: نعلمهم يميزوا، لا يقلدوا.
- نختار لهم بيئة مدرسية صحية: لا نخاف من خوض نقاش مع المدارس حول القيم المعروضة والمحتوى الموجه.
المطلوب من الأهل والمجتمع:
كيف نحصّن أبناءنا من القدوات الزائفة؟
لا يكفي أن نمنعهم من المحتوى السيئ. لابد أن نُحصّنهم فكريًا، نعلمهم يميّزون، يناقشون، ويحللون، بدل أن يتأثروا بلا وعي.
١. تعليم مهارات النقد والتمييز من الطفولة
- لا تنتظر أن يكبر الطفل حتى تعلّمه التفكير النقدي. من عمر ٧–٨ سنوات، يمكنك أن تطرح عليه أسئلة مثل:
- “ليش هذا الشخص مشهور؟”
- “هل تصرفه هذا صح؟”
- “هل يستحق يكون قدوة؟”
- بدل أن تقول: “لا تتابع فلان”، اجعل النقاش مفتوحًا:
- “إيش رأيك فيه؟ تتوقع ليش الناس يتابعوه؟”
- “هل تحب تصير زيه؟ ليش؟”
هذه الأسئلة تدرّب عقول الأطفال على الفلترة والتمييز. ما يحتاج نصرخ أو نمنع أو نُخيف، بل نُحاور بهدوء وصدق.
٢. دور المدرسة: أكثر من تعليم
- المدرسة ليست فقط للمنهج الدراسي، بل هي بيئة تُعيد تشكيل القيم يوميًا.
- يجب أن تتعاون الأسرة مع المدرسة لتقديم نماذج قدوة حقيقية، من داخل البيئة أو من خارجها.
- لماذا لا يتم استضافة طبيب، باحث، أديب، فنان نظيف، أو أم مثقفة ضمن أنشطة المدرسة؟ لماذا يقتصر مفهوم “المؤثر” عند أطفالنا على السناب والتيك توك فقط؟
٣. دور المجتمع والإعلام والمنصات
- المؤسسات المجتمعية يجب أن تعي خطورة ترك المجال مفتوحًا لتصدير القدوات الزائفة.
- لا بد من برامج حقيقية تصدر المؤثرين الجيدين: أصحاب الفكر، الموهبة، القيم.
- حتى حسابات الجهات الرسمية، تستطيع أن تفتح أبوابها للنماذج الملهمة، لا أن تكرّس نفس الوجوه التي نعرف أنها لا تقدم شيئًا سوى التسلية السطحية.
نموذج كوريا الجنوبية: كيف يصنع الإعلام قدوة راقية؟
عندما زرت كوريا الجنوبية وأقمت فيها، لاحظت أمرًا عميقًا في برامجهم وقنواتهم العامة: الفنّان، المغني، والممثل… كلهم جامعيون، مثقفون، ويتصرفون باحترام أمام الناس.
الإعلام هناك لا يفتح بابه للعشوائية. بل هناك غربلة صارمة لمن يظهر على الشاشة أو يُقدم كقدوة. الإعلام الكوري يُدرك مسؤوليته التربوية، ويُساهم في صناعة صورة ذكية عن المجتمع.
١. الفنان = قدوة ضمنية
- المغني في كوريا لا يظهر بشكل فجّ ولا يروّج للسطحية.
- يتم تدريبه لسنوات، ليس فقط على الأداء، بل على الانضباط، الأخلاق، السلوك العام.
- لا يتهجم على جمهوره، ولا ينشر حياته الخاصة بلا حدود.
كل هذا يصنع قدوة غير مباشرة للأطفال… حتى لو لم يكن الهدف تربويًا، فالنتيجة تصب في مصلحة التربية.
٢. احترام القيمة المجتمعية للفن
- في كوريا، الفن يُعامل بجدية، لا يُستخدم فقط للضحك والتسلية.
- يُستخدم لحفظ التراث، تعزيز الهوية، إيصال رسائل مجتمعية راقية.
- البرامج الواقعية تعرض حياة الفنانين وهم يطبخون، ينظفون، يعتنون بوالديهم، يتحدثون باحترام.
هذا يُكرّس قيمة “القدوة” دون وعظ أو فرض.
٣. مقارنة مؤلمة: الإعلام الكوري مقابل إعلامنا
- في كوريا: الإعلام يصنع قدوات يمكن الوثوق بها.
- عندنا: بعض البرامج لا تزال تروّج للتفاهة، أو تجامل الشخصيات الجدلية تحت ذريعة “الترند”، ولو كان الثمن عقول أطفالنا.
هل نحتاج أن نقلّد كوريا؟ لا.
لكن نحتاج أن نتعلم من تجربتهم ونستفيد منها بما يتناسب مع ديننا وقيمنا.
الخاتمة
بكل هدوء وصدق…
لسنا هنا لنخوّف الأهل أو نهاجم أحد، بل لندعو للوعي.
لأن الحرب اليوم ليست صواريخ… بل قدوة مزيّفة في شاشة صغيرة.
إذا لم نكن حاضرين في حياة أطفالنا، فهناك من هو حاضر:
مشهور لا يعرفهم، لا يحبهم، لا يراعي قيمهم،
لكنه يدخل بيوتنا كل يوم… ويزرع فيهم ما يريد.
ربما لا نستطيع إيقاف هذه النماذج،
لكننا نستطيع توعية أطفالنا، وإشغالهم، وبناء عقولهم،
حتى لا تُخترق بسهولة.
اسأل نفسك اليوم:
من هم أبطال طفلك؟
من يُضحكه؟ من يُبهره؟
وماذا تقول له إذا سأل: “ليش الناس تحبهم؟ وليش ما تبغاني أتابعهم؟”
شاركني رأيك:
هل تعتقد أن إعلامنا يصنع قدوات صحيحة؟
وهل تظن أن بإمكاننا كمربين منافسة هذا الزخم؟
أم أن الوقت فات؟
اكتب لي، أو أرسل المقالة لمن ترى أنه يعيش هذا الصراع.
فلعلها تفتح بصيرة… وتعيد توجيه قدوة.
