10 خطوات عملية لحماية الأطفال من الحسد
قبل أيام ظهرت لي تغريدة تقول فيها صاحبتها:
“ماني شخص حسود أبدًا ولا أغار وأتمنى الشر لأحد، بس ياخي الحياة مو عادلة. عندي صديقة جميلة جدًا، غنيّة، شاطرة ومجتهدة، وعندها أصحاب وخوات علاقتهم مرّة قوية، وأنا ما عندي شيء من هذا كله.”
تذكّرت فورًا رسالة من جارتي كانت قد أرسلتها لي منذ فترة، تقترح أن أطرح هذا الموضوع في السناب.
كانت تحكي أنها دخلت في نقاش مع صديقتها، وعندما قالت لها الصديقة:
“مافي أحد أحسن من أحد”
ردت جارتي باعتراض:
“لا، فيه من هو أجمل، وأغنى، وأذكى… والله قال:
{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}”
القضية ليست في وجود التفاوت، بل في تقبّله.
نعم، هناك من هو أجمل، أوعى، أغنى، أو أذكى… ولكن هل نُحسن التعامل مع هذه الفروقات؟
الخطر ليس في وجود النعم عند الآخرين، بل في النظر إليها بعين المقارنة والضجر.
{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}
فتحت هذا النقاش في حسابي على سناب شات، وتزامن الطرح مع خطبة الجمعة في الحرم المكي يوم 5 سبتمبر، حيث تحدّث الخطيب عن الحسد، وقال:
- الحسد آفة قلبية خطيرة.
- تسبب في هبوط آدم عليه السلام من الجنة.
- تسبب في أول جريمة قتل بين قابيل وهابيل.
- هو خلق أهل الكفر، لا أهل التوحيد والإيمان.
ثم سألت:
نحن كأمهات وآباء، كيف نربي أبناءنا على نبذ الحسد والرضا بما قسمه الله؟
تلقيت إجابات كثيرة. الكل اتفق أن البداية تكون من “نحن”، القدوة.
ومن ضمن التعليقات الجميلة: قصة سندريلا، كيف انتهى أمر الحاسدات.
لكن لنقف أولًا على الفرق بين الغبطة والحسد:
- الغبطة: تمني مثل النعمة دون زوالها. وهي محمودة.
- الحسد: تمني زوال النعمة من الغير. وهي مذمومة ومحظورة.
وبينما كنت أناقش هذه المعاني في السناب، وصلني تعليق من جارتي عبير كتبته بمشاعر صادقة:
“لا تتمنى حياة أحد، فلست تعلم إلا قشورها ولم ترَ من قصته إلا عنوانه. لعل النعمة التي عنده فتنة، والشهرة قلق، والمال غواية، والهيبة قشرة، والراحة خوف.
لن تحتمل وجهًا غير وجهك، ولا جسدًا غير جسدك، ولا لحظة ليست لك…
وتذكر قوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، ركز في قصتك وواقعك.”
تعليقها يلخّص الحقيقة التي نغفل عنها أحيانًا:
أن المقارنة ظالمة، لأنها لا ترى الصورة كاملة.
١٠ أفكار تربوية لغرس القناعة في الأبناء
حين يرون شيئًا جميلاً أو يسمعون بخير، علّمهم الدعاء لصاحبه، والطلب من الله مثلَه.
٢. احكِ عن النِّعم باستمرار
نعمة الصحة، البيت، الأسرة، التعليم… ذكّرهم بها دائمًا.
عوّدهم النظر لما عندهم، لا لما ينقصهم.
٣. قارن نفسك بنفسك
ساعدهم يسألون:
“هل اجتهدت اليوم أكثر من أمس؟”
“وش اللي تعلمته هذا الأسبوع؟”
٤. شاركهم قصصًا واقعية
من القصص اللافتة:
قصة المعتصم ووزيره الحاسد
ذُكر أن المعتصم قرّب بدويًا من العرب وجعله نديمًا له، حتى أصبح يدخل على أهله دون استئذان. فحسده أحد وزرائه وكاد له مكيدة.
دعا الوزير البدوي إلى وليمة، وأكثر له من الثوم في الطعام، ثم أوصاه ألا يقترب من الخليفة لأنه “يكره رائحة الثوم”.
بعدها ذهب الوزير للمعتصم وقال له: “البدوي يقول إن رائحة فمك لا تُطاق، وقد شكاك إلى الناس”.
طلب المعتصم رؤية البدوي، فدخل عليه وهو يضع كمه على فمه احترامًا لتوصية الوزير.
فازداد شك المعتصم، وأمره أن يأخذ رسالة مغلقة إلى أحد أمرائه.
الرسالة كانت أمرًا بقتله.
وفي الطريق، التقى الوزير الحاسد بالبدوي، وأقنعه أن يعطيه الرسالة ليوصلها عنه.
فلما وصلها، نُفذ فيها الأمر، وقُتل الوزير بدلًا عن البدوي.
وعندما علم المعتصم بالقصة، قال جملته الشهيرة:
“قاتل الله الحسد، ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله.”
هذه القصة الخالدة تُظهر كيف أن الحسد لا يُفني إلا صاحبه.
وأن من يحفر حفرة لغيره يقع فيها أولاً.
لذلك يجب أن نربي أبناءنا على مراقبة القلوب، لأن الحسد لا يضر إلا صاحبه،
وقد يُنجي الله من يُحسد بحيلة لا تخطر على البال.
٥. امدح الجهد لا النتائج
لا تقول: “ليش ما صرت زي فلان؟”
بل: “شايفين تعبكم، ونحن فخورين فيكم.”
٦. افصل الهوية عن الممتلكات
مدح الأخلاق، الانضباط، الرحمة… أهم من مدح اللبس أو الجوال أو العلامات.
٧. انتبه لمقارناتك أمامهم
أطفالك يسمعونك دائمًا.
لا تقولي: “شوفي بيت فلانة!” أو “يا حظ فلان!”، لأنهم ينسخون هذا التفكير.
٨. مارسوا أعمالًا تطوعية
زيارة محتاج، التبرع بلعبة، أو طعام…
هذه التجارب تمنحهم وعيًا واقعيًا وتحفّز القناعة.
٩. علّمهم القناعة كمعنى حيّ
القناعة = أن أفرح بما عندي، وأسعى لما أريد، دون أن أتمنى زوال رزق غيري.
١٠. علّمهم أدعية تبعث الطمأنينة
مثل:
“اللهم اجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا.”
“اللهم ارزقني الرضا بما قسمت لي.”
احذر… الحسد يأكل الحسنات
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
“إيّاكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.”
(رواه أبو داود)
وإذا أردت أن تعلم شدّة أثره، تذكّر ما قاله أرسطو:
“ما بال الحسود أشد غمًا؟ قال: لأنه يأخذ بنصيبه من غموم الدنيا، ويُضاف إليه غمّه لسرور الناس.”
ختام
ابنك الذي تقول له كل يوم:
“ليش ما صرت مثل فلان؟”
قد يكبر بقلب ممتلئ بالحسد، وعين لا ترى إلا النقص، ولسان لا يذكر إلا المقارنة.
علّمه كيف يفرح بغيره، ويشكر على ما عنده، ويجتهد لما يريد.
فهذا هو الطريق الحقيقي للنجاح… والرضا.
