خرافة البدايات السهلة: لماذا نحتاج إلى “رفيق” في رحلة ريادة الأعمال؟
يتوق الكثير منا لإنشاء مشروعه الخاص والدخول إلى عالم الأعمال من أوسع أبوابه، ومع ازدياد المحتوى الذي يُجّمل صورة “البزنس” ويُرغِّب فيه ؛ انتشر الاعتقاد بأن امتلاك مشروع وادارته رحلة سهلة مفروشة بالورود ولا تحفّها المخاطر.
بدايات الشغف وعالم التجارة
شخصيا؛ لطالما أحببت عالم الأعمال الخاصة وانجذبت إليه منذ نعومة أظفاري. بدأت ممارسة البيع والشراء في المرحلة المتوسطة وبعت الكثير من الدفاتر والقرطاسية المميزة التي كنت أجلبها معي من جاكرتا في الاجازة الصيفية. وجدت متعة عظيمة جدا في البيع والتسويق. وبالرغم من انقطاعي عن ممارسة هذه الهواية مدة طويلة خلال دراستي في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، إلا أنني عدت اليها بكل شوق وأنا على رأس العمل لأبيع حجابات بأقمشة مميزة يفضل ارتدائها الطبيبات.
في وقت لاحق؛ وجدت احتياج لمنتجين آخرين لاقت نجاحا جيدا أحدهما استوردته من الصين. وهنا بدأت الرحلة الحقيقية للتعليم العملي بعد العديد من الدورات في عالم الأعمال والتجارة الإلكترونية وقراءة عشرات الكتب في مجالات مختلفة كالتسويق وادارة المنتجات وغيرها الكثير.
خطوات التأسيس
عند البدء في التجارة الإلكترونية؛ يبدو كل شيء سهل وميسر خصوصا مع التطور العظيم الذي نشهده في الخدمات الحكومية الالكترونية ولله الحمد. فتحت متجر الكتروني في لمح البصر ، استلمت المنتج الذي اعتنيت كثيرا بجودته وتغليفه وهويته البصرية واستشرت العديد من رواد الأعمال في مركز “دلني” بالإضافة إلى استشارات اخرى مدفوعة.
اكتشفت أن الرحلة طويلة وبها مهام مختلفة؛ مهام مختصة ببناء الهوية البصرية وقصة المنتج وأخرى باختيار المنتج وتطويره وتغليفه واستيراده وتتصويره وتخزينه، وأخرى متعلقة باستقبال الطلبات وتجهيزها وشحنها وغيرها من الأمور الدقيقة التي لا يمكن كتابتها جميعها في هذا المقال.
عقبة التسويق الإلكتروني
استمتعت جدا بكل هذه المراحل وتخطيت جميع الصعوبات المتعلقة بها ولكني وجدت أمامي عائق كبير جدا لم أتوقع حجمه نهائيا، ألا وهو التسويق الإلكتروني.
نجاحي في التسويق المباشر (الأوف لاين) خدعني ودفعني للاعتقاد بأن التسويق الالكتروني يستخدم نفس المهارات ويعتمد على نفس الموهبة، وبالرغم من حصولي على دورات في التسويق الالكتروني من جهات مرموقة مثل مسك وكاوست إلا أن التطبيق العملي يختلف كثيرا عن الدراسة النظرية.
في البداية ؛ أخذ مني توثيق حسابات التواصل الاجتماعي جهدا ووقتا كبيرين لا يمكن الاستهانة بهما، فمتطلبات فيسبوك (الحساب المسئول عن إعلانات إنستقرام) وحساب قوقل (حتى يظهر اسم المتجر عند البحث عليه) كثيرة جدا ودقيقة تصل إلى توثيق الهوية الوطنية والجواز وغيرها. كل هذا لتتمكن فقط من ادراج اعلان واحد في احدى هذه المنصات.
كانت مرحلة صعبة ولكني تجاوزتها بفضل من الله ومنة وانتقلت للمرحلة التي تليها. وجدت أن الإعلانات لابد أن تكون مستمرة بلا انقطاع وأن الطلبات تتوقف بتوقف الإعلانات. إذن لابد من ظهور مستمر للعميل.
كما وجدت أن تسعيرة الإعلانات في قوقل وإنستقرام تختلف باختلاف المواسم وباختلاف طبقة العملاء التي يتم اختيارها عند الطلب. فعلى سبيل المثال: تختلف تسعيرة الإعلان الذي يظهر للعملاء المهتمين في منتجات متشابهة عن الإعلان الذي يظهر لعموم المستخدمين وقس عليها. ومن الأمور التي قد لا يعلمها الكثير؛ بأنه لا يتم الاكتفاء بأخذ مبالغ الإعلانات بل هناك نسبة تأخذها هذه المنصات عند ضغط العميل على المنتج او الموقع من خلالها.
تمنيت وقتها لو وجدت منصة تجمع المشاريع والعلامات التجارية المحلية بدلا من الاعتماد على منصات أجنبية تأخذ نسب كبيرة من الميزانية التسويقية.
عند هذه المرحلة؛ وجدت أني بحاجة للاستعانة بشركة تسويقية تعمل مكاني في التسويق اليومي للمنتج وبالفعل قمت بالتعاقد مع احدى الشركات لعدة اشهر وللاسف لم تكن المبيعات بالشكل المطلوب.
دروس عظيمة لا تُنسى
هذه التجربة صقلتني كثيرا وأعطتني دروس عظيمة لا يمكن نسيانها أضعها اليوم بين أيديكم علّها تنير طريق أحدا لازال في بداية الرحلة:
- الدرس الأول: أن التسويق يستهلك ميزانية كبيرة جدا تصل إلى ٧٠٪ من رأس المال. “كن حذر”
- الدرس الثاني: أنه يمكن تقليل ميزانية التسويق إذا كنت أنت أو أحد أصدقائك “الداعمين” شخص مؤثر.
- الدرس الثالث والأهم: هو أن لا تبدأ مشروع لوحدك ،وأنه إذا رغبت في النمو على المدى الطويل ؛ ابحث عن شريك قبل البدء في أي شيء.
فلسفة الشراكة واختيار الرفيق
رحلة ريادة الأعمال سهلة في ظاهرها محفوفة بالمخاطر في باطنها ، ممتعة ولكنها شاقة . رحلة تحتاج إلى رفيق يزيدها يسرا وسهولة، رفيق يطبطب عليك وتهون عليه عندما تسوء الأوضاع.
طرحت سؤال على حسابي في سناب شات عن ما إذا كان وجود الشريك مهم او من الأفضل خوض الرحلة وحيداً؟ تفاوتت الردود بين مؤيد ومعارض ولكن جميع من أيد الحصول على شريك اتفقوا على أهمية اختيار الشريك الصحيح وشروط الشراكة.
بالنسبة للشريك نفسه؛ لا أعلم خلطة سحرية لاختياره خصوصا أن الكثير من خوافي النفوس لاتظهر إلا بعد علاقة وطيدة وتجارب عميقة وطويلة ولكن أهم ميزة لا يمكن التنازل عنها هي: قيمته المضافة للمشروع. ماذا يمكن أن يقدمه ليكون مكملا لما أقدمه أنا لا مطابقا له؟ ما الذي يختلف في شخصيته (وليس قيمه مبادئه) ؟
أما جميع الأمور الأخرى المتعلقة بتقسيم المهام الإدارية والتشغيلية والأمور المادية فيمكن تفصيلها في عقود محكمة من خلال محامي موثوق على جميع الحقوق والواجبات والتفاصيل الدقيقة.
لفتني منشور للدكتور محمد خضر الذي أسس العديد من الشركات التقنية الناشئة في مصر يقول فيه: أن أحد عملاءه في الاستشارات أخبره أنه يوجد مثل سوري : “اتفقوا اتفاق يهود وتعاملوا تعامل مسلمين”
عوامل النجاح والاستمرار
كما يوجد عدد من الأمور التي لابد أن تكون للشركاء لنجاح المشروع واستمراره:
- بعد توزيع المهام ، يجب أن يلتزم كل شخص بمهامه وأن لا يتدخل في مهام شريكه وطريقة تشغيله اليومية للمشروع. إلا إذا وجد تقصير واضح يتم اخبار الطرف الثاني بنقاط القصور دون تعدي لحدود الادب.
- إذا كان الشريك هو صديق (وهو أفضل أنواع الشركاء)؛ أن يتم فصل العلاقة الشخصية عن العمل فصل تام وموضوعي. على سبيل المثال: أن تكون المناقشات حول المشروع لها أوقات واجتماعات خاصة تختلف عن الاجتماعات الشخصية، أن يكون هناك محادثة منفصلة للمشروع في الرسائل تختلف عن المحادثة الخاصة، أن يكون هناك فصل تام بين الخلافات الشخصية والخلافات المتعلقة بالعمل.
قد يرى البعض أن هذه الأمور صعبة لكني أرى أنها فقط بحاجة إلى شريك واعي ، راقي ومثقف يليق بك وبمشروعك.
خاتمة سعيدة ورحلة معرفية
قبل أن أنهي مقالتي ؛ أود أن أشبع فضل كل من يتساءل عن ما آل إليه مشروعي الأخير وماذا فعلت بمنتجاتي المستوردة على أعلى مستويات من الجودة؟
المنتجات كانت مناسبة جدا لمنتجات “ريفي” الشهيرة بالمناشف. توصلت بطريقة ما لمؤسس الشركة المهندس أحمد العويد الذي غمرني بلطفه الجم وتواضعه الكبير ووافق على عرض منتجي لديهم وأوصلني لشريكه الدكتور تميم الغنام الذي سمع مني قصة بناء المنتج من الألف للياء وأعجب بها كثيرا وطلب عينات لتجربتها قبل الموافقة على عرضها. بعد التجربة (التي أصر إصرارا شديدا على دفع قيمتها وشراءها بنفسه من متجري) وافق على المنتج مباشرة وعرضه مشكورا في موقع ريفي. وهنا أسدل الستار على هذا المشروع الذي قد أكون خسرت فيه بلغة الأرقام ولكن مكسبي المعرفي والشخصي (خصوصا على مستوى العلاقات) كان كبير جدا ولله الحمد.
لو فكرت في بدء مشروعك الخاص اليوم، هل ستخوض الرحلة وحيداً لتتحكم في كل التفاصيل، أم ستبحث عن “رفيق” يشاركك الحمل والنمو؟ وما هي الميزة التي لا تنازل عنها في شريكك المستقبلي؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.
وقفة حب..
إلى كل امرأة مرّت من هنا.. لأننا نؤمن بأنّ جودة حياتكِ تبدأ من جودة مَن حولكِ، وأنّ سعادتنا تكتمل بمجتمعٍ صحيّ يشدّ بعضه بعضاً؛ ندعوكِ بكل حب لتكوني جزءاً من سَعْدة. هي مساحتكِ الآمنة لنجتمع، وننمو، ونشارك الاهتمامات التي تشبهنا. ترقبي نشراتنا الدورية لتكوني أول من يشاركنا هذه الرحلة.
