من “الرعوية” إلى “التنموية”: رحلة القطاع غير الربحي السعودي نحو عام 2026

يقوم الاقتصاد في كل دولة على ثلاثة قطاعات:
- القطاع الحكومي
- القطاع الخاص
- القطاع غير الربحي
المحرك الثالث: فجر جديد للاقتصاد الوطني
لسنوات طويلة اعتمدت المملكة على القطاعين الحكومي والخاص وظل القطاع غير الربحي قطاعاً خيرياً يعتمد على التبرعات والتطوع والمجهودات الفردية بلا تنظيم إداري ولا مشاركة فعلية في الناتج الاقتصادي.
لكننا اليوم ونحن نقف على عتبات قليلة من رؤية 2030 الطموحة؛ يمكننا القول بأن القطاع غير الربحي أصبح “المحرك الثالث” للاقتصاد فعلياً، ولم يعد مجرد قطاع “رعوي” أو خيري تقليدي.
إن القطاع غير الربحي “بكل الجهود العظيمة” التي يبذلها القائمون عليه منذ بدايته؛ يُعتبر مكملاً للقطاعين الحكومي والخاص لأنه يسد الفجوات ويملأ الفراغات التي لا يمكن لهما تغطيتها، ولأنه لديه القدرة على الوصول إلى شرائح مجتمعية دقيقة أو أحياء بعيدة قد لا تصلها البيروقراطية الحكومية بسرعة.
بالإضافة إلى تميزه عن القطاع الخاص بأن هدفه ليس “تعظيم الأرباح” للملاك، بل “تعظيم الأثر الاجتماعي”.
أثر يلامس الجميع: خارطة العطاء التنموي
وهذا الأثر يمس كل فرد من أفراد المجتمع من الأطفال إلى المسنين عن طريق الجمعيات المتنوعة:
- جمعيات الأحياء بأنشطتها الاجتماعية التي تخدم السكان.
- جمعيات تأهيل المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة لسوق العمل.
- جمعيات كفالة الأيتام وذويهم وتأهيلهم للمجتمع.
- جمعيات الإعانات الطبية والدعم المالي والمعنوي للمرضى.
- جمعيات الناشئين التي تسعى لتدريبهم وتطويرهم وعمل أنشطة رياضية وترفيهية وتربوية لهم.
- جمعيات القراءة والثقافة.
- جمعيات تطوير الكوادر البشرية لسوق العمل.
وغيرها الكثير التي إن تجاوزت جميع التحديات التي تواجهها، سيكون لها أثر عظيم على المجتمع والاقتصاد.
القطاع غير الربحي في قلب رؤية 2030
إذن ما هي أهمية القطاع كشريك استراتيجي في رؤية 2030؟
- مع تجاوز عدد المنظمات غير الربحية في المملكة 7000 منظمة، تستهدف الرؤية رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى 5%.
- يساهم القطاع في توليد الوظائف وجذب الكفاءات المهنية ولم يعد مكاناً للتطوع فقط.
- القطاع له أثر اجتماعي عظيم لا يمكن الاستهانة به في رفع نسبة التملك السكني، تطوير التعليم، والرعاية الصحية النوعية عبر منصات مثل “إحسان” و”وقفي”.
تحولات كبرى نحو الاحترافية والشفافية
ما هي التغيرات التي طرأت على هذا القطاع في المملكة؟
كما ذكرت سابقاً؛ اليوم لم يعد هذا القطاع “مجرد وسيط للعطاء”، بل أصبح بيئة عمل احترافية تساهم في الناتج المحلي. ويمثل عام 2026 ذروة النضج لهذا القطاع بعد اكتمال البنية التشريعية والرقابية من قبل المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي (المرجع الأول للقطاع) واكتمال بنود “الحوكمة” الخاصة به مما قلل البيروقراطية وزاد من سرعة منح التراخيص.
بالإضافة إلى وجود توجه لإسناد العديد من الخدمات الاجتماعية والبلدية للجمعيات والمؤسسات الأهلية للقيام بها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
والأهم من ذلك؛ إلزامية التحول الرقمي والإفصاح المالي والشفافية عبر البوابات الإلكترونية، مما رفع مستوى الثقة لدى المانحين.
تحديات الجوهر: الاستدامة وقياس الأثر
بالرغم من كل هذه التنظيمات والحوكمة؛ يعاني القطاع من 3 تحديات رئيسية:
- الاستدامة المالية: وتحدي الانتقال من “تبرعات الموسمية” إلى “الاستثمار الاجتماعي” والأوقاف المدرة للدخل.
- رأس المال البشري: صعوبة استقطاب الكفاءات العليا بسبب المنافسة مع القطاع الخاص، مما يتطلب تحسين “بيئة العمل” داخل الجمعيات.
- قياس الأثر: الكثير من الجهات “تعمل” لكن القليل منها يستطيع “إثبات الأثر” بالأرقام والنتائج الملموسة.
أما على صعيد المجتمع والجمعيات المخضرمة فيوجد تحديات بحاجة لمزيد من الوقت والجهد لتجاوزها:
- تحدي الصورة الذهنية: حيث لا يزال الكثير من أفراد المجتمع يرونه قطاعاً تطوعياً بسيطاً وليس مساراً مهنياً احترافياً.
- تحدي الحوكمة: الصعوبة التي تواجهها الجمعيات المخضرمة والتي يصل عمر بعضها إلى 40 عاماً في الامتثال للأنظمة الصارمة الجديدة.
الخاتمة: تطلع نحو المستقبل
نحن اليوم بأمس الحاجة لهذا القطاع الذي يمس كل فرد من أفراد المجتمع ويُمكنهم على اختلاف حالاتهم وقدراتهم، فيجد اليتيم حياة كريمة، ويتمكن ذوو الإعاقات والاحتياجات الخاصة من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، ويتدرب الشباب والفتيات على شتى المهن والقطاعات ليؤدوا دوراً فعّالاً في حياتهم ومجتمعهم.
كما أننا بحاجة لتعزيز صورة القطاع على أنه تنموي وجزء لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني لأنه ومنذ الأزل ارتبط في الأذهان بأنه قطاع قائم على التبرعات والرعايات الاجتماعية.
ويظل السؤال الآن؛ ما هي الحلول لبناء صورة ذهنية إيجابية عن القطاع وكيف يمكن بناء نماذج مالية مستدامة تساعد في خلق وظائف مستقبلية وتساهم في الاقتصاد؟
وقفة حب..
إلى كل امرأة مرّت من هنا.. لأننا نؤمن (أنا وصديقتي د. سمر البازي) بأنّ جودة حياتكِ تبدأ من جودة مَن حولكِ، وأنّ سعادتكِ تكتمل بمجتمعٍ صحيّ يشدّ بعضه بعضاً؛ ندعوكِ بكل حب لتكوني جزءاً من منصتنا سَعْدة. هي مساحتكِ الآمنة لنجتمع، وننمو، ونشارك الاهتمامات التي تشبهنا.
اكتشاف المزيد من مدونة منال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
