العام الدراسي الطويل: طاقات مهدرة أم أرض خصبة لبناء الإنسان؟

اليوم، ولله الحمد، طوينا آخر صفحات العام الدراسي الطويل، والذي أطلق عليه البعض: “القرن الدراسي”.
ومع انطواء آخر صفحات العام؛ أرغب في مشاركة رأيي كولية أمر في أربع مراحل دراسية مختلفة. رأيي قد يكون مقتصراً على تجربتي الشخصية، ولكني متأكدة أنه يمس الكثير من الأهالي، والطلاب، وحتى المعلمين والمعلمات.
في البداية؛ أحب أن أوضح أن معظم الأهالي ليسوا ضد طول العام الدراسي نهائياً، بل بالعكس، ذهاب الأطفال للمدارس أفضل بكثير من جلوسهم في المنزل وعلى الأجهزة، وأقل تكلفة من مصاريف الإجازات، والترفيه، والمطاعم.
لكن هناك عدة عوامل وأسباب تجعل العام الدراسي مملاً ومرهقاً ولا يمكن تحمله. وبالرغم من جهود الوزارة العظيمة والميزانيات الكبيرة التي تُضخ في التعليم، إلا أن العملية التعليمية لا تزال بحاجة إلى تطوير يرفع إنتاجية الجميع لأقصى درجة. وأول خطوات هذا التطوير هو الاستماع لمنسوبي التعليم (الكادر التعليمي الموجود في الميدان) وأخذ آرائهم بعين الاعتبار، ثم الاستماع للأهالي ومتابعة ما يُكتب على مواقع التواصل الاجتماعي من آراء واقتراحات ومقالات.
جميعنا نعلم أن قنوات التواصل مع الوزارة مفتوحة، ويوجد العديد من الاستبيانات (التي لا تصل لولي الأمر)، ولكنها للأسف محدودة في أسئلتها والأمور التي ترغب الوزارة في قياسها.
لقد توجه الكثير من الأهالي للمدارس الأهلية والعالمية، بعد أن كانت المدارس الحكومية هي الخيار الأول للجميع بسبب قوتها وتوجهها القيمي والتربوي. نحن بحاجة لتفعيل دور المدارس في النموذج التربوي الذي نحن بأشد الحاجة إليه في زمن انفتح فيه العالم على بعضه البعض، وأصبحت التربية تشكل عبئاً كبيراً على الأهالي، ومع غياب دور التعليم التربوي تأثرت منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية بشكل كبير.
الأمر الثاني؛ إن المناهج (بالإضافة إلى عدم مواكبتها للتطور) فهي قصيرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغطي جميع هذه الأيام الدراسية، لذلك لا بد من وضع منهجية للأنشطة اللاصفية ليتم إثراء الطلبة من خلالها.
التعليم هو أساس التنمية البشرية، ولا يمكن لأي أمة أن تواكب العصر إذا لم تكن تمتلك نظاماً تعليمياً قوياً. ويوجد خلف مقاعد الدراسة الكثير من الطلبة الأذكياء، والكثير من الطاقات الشبابية التي إن استُثمرت بشكل صحيح، فمردودها الوطني عظيم جداً ولا يُقدر بثمن.
للأسف، لم يتمكن أهالي هؤلاء الطلبة من الاستثمار فيهم في مدارس خاصة، ولا حتى توفير أنشطة تعليمية مناسبة لهم بسبب عدم قدرتهم المادية. بينما لو تم إدخال مواد (بدون كتب أو اختبارات) وأنشطة لاصفية (مثل: الرسم، والحرف اليدوية، والمهارات الناعمة كالتواصل الفعال والخطابة)، وتم التركيز على الرياضات المتنوعة بشكل أساسي ويومي، قد يتم اكتشاف مواهب مذهلة وطاقات هائلة، والتي يستحيل اكتشافها عن طريق اختبارات “موهبة” التي تركز على المهارات العقلية فقط. فكم من محاور جيد قد يصبح محامياً عظيماً في السلك الدبلوماسي! وكم من رسام قد يتحف العالم بفنه! وكم من طباخ أو خباز قد يبدع في عالم الطهي! وكم من رياضي فذ اندفنت موهبته عندما لم تجد الأرض الخصبة لتنبت!
الحضارات لا تقوم على المهارات العقلية فقط، ولا تعتمد على مبدعي الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والإنجليزي؛ إنما تُبنى الأمم عندما تتكاتف العلوم التطبيقية مع العلوم الإنسانية والمهارات الاجتماعية، وتمشي معاً جنباً إلى جنب.
كما أن التعليم غفل بشدة عن زرع حب القراءة؟! نعلم أنه مجهود لا بد أن يبذله الأهالي، ولكن للأسف الكثير من الأهالي لا يحبون القراءة، بل توجد عائلات تفتقر لوجود كتاب واحد في البيت، فأين دور التعليم في تفعيل المكتبات المدرسية؟!
بالإضافة لكل ما سبق؛ فإن تنمية الجانب الروحي للطلبة والاستثمار فيه عن طريق المحاضرات، وتفعيل حصص الدراسات الإسلامية تطبيقياً، أمر مهم جداً يحفظهم بأمر الله من الانهيارات النفسية والوقوع في المهلكات، ويساعدهم على تنمية علاقاتهم الاجتماعية والأسرية.
عندما يطول العام الدراسي لا بد أن يُملأ بما هو مفيد وممتع، لا أن يتم تقسيم نفس المنهج على كل هذه المدة، فيصبح ضرر المخرجات أكثر من نفعها بكثير، ومن ذلك:
- زرع التسيب والإهمال: عن طريق الغياب الكثير بسبب طول السنة وملل هؤلاء الأطفال الأذكياء الذين لا يشبع المنهج فضولهم (للمعلومية: مؤشرات الأداء لا تقيس الغياب الفعلي، ولكن من أراد أن يرى الغياب الحقيقي سيراه في الميدان). حتى الأهالي المنضبطون اضطُرّوا لترك الانضباط ونبذه!
- تعليم الأطفال التحايل: بتوفير تقارير طبية (ليست كاذبة، ولكن لا ضرورة قصوى لها؛ مثل زكام خفيف أو كحة).
- تعويد الطلبة على الملخصات: لأن المناهج لا تخاطب عقولهم، ولا يتم تناولها باستمتاع.
جميع هذه الأمور وغيرها الكثير لها مردود خطير سيظهر مستقبلاً، وينعكس على أجيال كاملة ومنظومات مختلفة.
أرجو أن تُقرأ مقالتي هذه بعين الفاحص القارئ لما بين السطور، فلعلها تصل لمن بيده تغيير الأمور.. مع تمنياتي لكم بإجازة سعيدة.
